إصدار.. التحول الديني في بواكير الحقبة الحديثة بالبحر الأبيض المتوسط

29 مايو 2026

إسلام سعد. باحث ومترجم مصري

يصدر قريبا، عن دار “قرطاس”، العراق ترجمتي بالاشتراك مع  الدكتور أحمد عبد المنعم لكتاب: “التحول الديني في بواكير الحقبة الحديثة بالبحر الأبيض المتوسط – إغواء الآخر”، تحرير: كلير نورتون.

ينظر إلى التحول الديني Religious conversion غالبا بوصفه عبورا دائما، ليس للانقسام الديني فحسب، بل كذلك للحدود السياسية والثقافية والجغرافية في منطقة البحر الأبيض المتوسط في بواكير العصر الحديث. وبالرغم من أن التحول الديني يفسر غالبا من منظور رسوخ قناعة المتحول الروحية، فإن نموذج التحول الديني، بوصفه انبثاقا عن قناعة نفسية وروحية واعية فحسب، يمثل إشكالية في مثل هذا السياق، إذ إنه لم ينظر إلى الممارسة الدينية، بالضرورة، بوصفها كيانا منفصلا عن هوِية الفرد وشعوره بالانتماء الجماعي. وتشير القراءة بين ضفاف مصادر متنوعة إلى أن التحول الديني بين المسيحية واليهودية والإسلام في منطقة البحر الأبيض المتوسط في ذلك العصر الحديث غالبا ما كان له جانب برجماتي بدرجة أكبر، وأشد ارتباطا بالواقع؛ إذ إنه مثل شكلا من أشكال الترجمة الثقافية ووسيلة لإرساء الانتماء الجماعي عن طريق التعبير المشترك — وغالبا، المتنازع عليه — عن الهويات الدينية.

لا تزال قضية التحول الديني (أي، انتقال المرء من جماعة دينية إلى أخرى) مثار جدل في أغلب الثقافات، والحق أنها قضية عظيمة الشأن ينْظر إليها نظرات متعددة. ولعل النظرة الأشيع عنها تتأتى من تصورِ أن المتحول دينيا إنما انتقل من دين إلى دين بعد ما يسمى في دراسات الإبستمولوجيا بالمكاشفة التامة، حتى إن كانت هذه المكاشفة المعنية من جانب واحد فحسب: أي، من جانب المتحول تجاه نفسه، دون نقاش مع غيره. كما يصاحب هذه الرؤية الأشيع تصورٌ مفاده أن المتحول قد انتقل إلى الدين الجديد بعد دراسة متأنية له، أو اطلاع على مزايا أو أفضليات فيه، وبعد أن اكتشف أخطاء أو عورات في دينه القديم؛ وهكذا تكتمل الصورة: دراسة وطول مطالعة أفضيا إلى اعتناق الدين الجديد، وربما يضاف إلى ذلك جهدٌ عقلي بذل في سبيل الوصول إلى “الحقيقة” التي يترجمها الدين الجديد للمتحولِ أصدق ترجمة. وقد يأتي التحول الديني من تدخل إلهي مباشِر، ويدلل عليه بحالات نادرة تكون فيها العاطفة الدينية متقدة، والاستعداد النفسي قائما في ذات الإنسان بالفعل؛ وهذا هو التصور الثاني لسبب التحول الديني. وجدير بالذكر أن التصور الأول يكاد يقارب حدود الاستحالة العملية؛ “فالذات – فيما يبدو – لا تنتظر حتى تنتهي هذه العملية [أي، المكاشفة (المعرفية) التامة]”. وأما التصور الثاني، من خلال التدخل الإلهي المباشر، فينتج، في الغالب، سلطة للمرء الذي ادعى خوض هذه التجربة تستعصي على التحليل العلمي، وربما تجعل من العسير على أي أحد غيره خاضها الإفصاح عنها، خشية الاتهام بالادعاء المعني الذي يبدو غير قابل للدحض التحليلي.

ما يجمع أبحاث هذا الكتاب، كما يدل عنوانه الفرعي، إنما هو “إغواء الآخر”؛ ذلك الإغواء الذي قد يدفع الإنسان صوب دين جديد؛ ولكن هذا الإغواء يحلل في الكتاب من منظور الواقع، لا من منظور الكشْف الميتافيزيقي، أو الإلهام الروحي المباشر بالضرورة. وسنجد في إحدى هذه الأبحاث (الفصل التاسع) إقرارا بقيمة التجربة الدينية الفردية كما حدثت لدى لويس ماسينيون على سبيل المثال وما ترتب عليها من نتائج واقعية، لكن الغالب على مادة الكتاب ككل إنما هو استقصاء النفْس الإنسانية واستكشافها في تفاعلها مع واقعها، في لحظاتِ تصادم وصراع تمتد عبر أفضية البحر الأبيض المتوسط في حقبة زمنية اتسمت بالارتباك، والحروب، وتبادل الكراهية المعلن، وظواهر الافتداء، والقرصنة، وما شابه ذلك من ظواهر؛ وجدير بالذكر أن مثل هذه الأوضاع لا يمكنها أن تمنح الإنسان، أي إنسان، ذلك المتنفس العقلي/الفكري كي يقرر التحول دينيا إرضاء لصوت داخله يبحث عن الحقيقة ويجدها في غير دين.

ما نحاول الإبانة عنه هنا، وإن كان ذلك على عجل، أن ظاهرة مثل التحول الديني جديرة بالدراسة من المنظور الأكاديمي كي نحوز فهما أفضل لها، وكي تهدأ نبرة الوصول إلى “الحقيقة المطلقة” التي نكاد لا نرى لها مثيلا، في الشدة وانشغال المؤمنين بها، كما نراه عند أهل التوحيد. وهدوء هذه النبرة، أو تلطيفها، من الأمور الضرورية لتحقيق ما يسمى بالتصالح مع التاريخ الديني، أو تاريخ الأديان (والمسافة بينه وبين تاريخ البشر أنفسهم ليست كبيرة)، وللسعي وراء تسامح نحن في أمس الحاجة إليه في هذا العصر. وتتحقق هذه الأمور بعوامل عديدة يضيق السياق عن محاولة حصرها هنا، لكن، يلزم التأكيد على أن مطالعة القارئ لمثل هذه الأبحاث لهو مما يحفز عقله على توسيع مدى رؤيته، والنظر إلى الأمور والقضايا والصراعات التاريخية من زوايا أرحب، وارتباطها بالواقع أكبر، ولتجنبِ إصدار الأحكام السريعة أو الحاسمة في قضايا كبيرة أو ظواهر عظيمة الشأن لدى الإنسان، سواء أكان ذلك على المستوى الفردي، أم مستوى الجماعة، أم التاريخ على امتداده.

وليسمح لنا القارئ الكريم بتوضيح بعض الأمور المتعلقة بترجمة هذه النصوص؛ ومن هذه الأمور مسألة اتساع نطاق الأبحاث، وتنوع لغاتها، بل يضاف إلى ذلك عمليات التثاقف بين اللغات والأفكار؛ ومن هنا، كان لزاما علينا التواصل، قدْر الإمكان، مع المؤلفين، وسؤالهم عن بعض مقاصدهم تجنبا لأي تأويل من جانبنا قد يفسد سلامة الفكرة لدى واضعها الأصلي؛ وكذلك تواصلنا معهم طلبا لإيضاح بعض المصطلحات، وكذلك ليترجموا لنا بعض النصوص المكتوبة بلغة غير اللغة الإنجليزية: وفي هذا السياق نتوجه بالشكر، على وجه خاص، إلى الدكتور حسام الدين شاشية، والبروفيسور مارتِن مولسو، وكذلك نتوجه بالشكر إلى الدكتورة إنجي زكريا، والدكتور محمد عجلان على جهدهما معنا في الحرص على خروج النصوص بأفضل صورة ممكنة، وإن كنا أثبتنا سياقات الشكر في موضعها في كل بحث، إلا أن الإقرار بجميل المجتهدين والمجتهدات معنا من الأمور التي لا يلزم أن تغيب في ثقافتنا أبدا.

وكذلك وفرنا للقارئ الكريم، في نهاية الكتاب، معجما بأهم “المصطلحات الدينية واللاهوتية والمؤسسية في سياق التحول الديني ببواكير العصر الحديث”؛ نقصد منه أن يعين القارئ الكريم على مطالعة الأبحاث دون أن يضطر إلى البحث عن مصطلح أو تعريف خارج الكتاب، بقدر الإمكان؛ وقد ارتأينا وضع هذا المعجم كي نتجنب إثقال الهوامش إثقالا أكبر مما هي عليه بالفعل.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...