مقاصد الشريعة: من “شعارات العجز” إلى “روح الكينونة” حوار في عمق الفكر الإسلامي
أحمد المهداوي
تعد قضية مقاصد الشريعة واحدة من أكثر المباحث إثارة للجدل والبحث في الفكر الإسلامي المعاصر، في هذا السياق، وأمام الاهتمام المتزايد بهذا الحقل من لدن الباحثين والمهتمين كونه يعبر عن مسار معرفي متكامل أسهم في تجديد الفكر الإسلامي، وفي ترسيخ رؤية شمولية للشريعة تقوم على العدل، وحفظ الكرامة الإنسانية، وصيانة المصالح العامة، وتحقيق الغايات الكلية، يأتي الحوار المعمق مع الدكتور إسماعيل الحسني، أستاذ مقاصد الشريعة والفقه المعاصر بجامعة القاضي عياض-المغرب، ليفتح آفاقاً جديدة حول هذا العلم الذي يتجاوز كونه مجرد فرع أصولي إلى كونه يمثل الفقه الأكبر؛ إذ هو بمنزلة الروح من جسد علوم الشريعة.
هذا الحوار الذي أجراه وأداره الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولاي سليمان-المغرب، بكفاءة معرفية رفيعة، وبقدرة فكرية محكمة مكّنت من توجيه مسارات النقاش بوعي منهجي ودقة في الطرح، بما أضفى على الحوار عمقاً واتساقاً وثراءً فكرياً، (هذا الحوار) لا يقف عند حدود التوصيف، وإنما يغوص في أصل الأصول ليجيب عن أسئلة الوجود، والواقع، والمنهج.
ويستهل الدكتور الحسني، خلال هذا الحوار، حديثه باستحضار تجربته الشخصية التي وُلدت من رحم التحدي، كاشفاً عن المسكوت عنه في مساره الأكاديمي؛ فاهتمامه بالمقاصد لم ينشأ عن ترفٍ فكري، وإنما تمخض عن دافع التحدي، ويسترجع الدكتور الحسني بمرارة ممزوجة بالفخر كيف واجه في أواخر الثمانينيات نظرة استصغار من “أستاذ مبرز” شكك في قدرته على طرق باب المقاصد، كعلم معقد، وكيف واجه في مطلع التسعينيات محاولة احتكار تدريس المادة من قِبل البعض، مما ولّد في داخله شحنة من التحدي؛ إذ لم تثنه هذه العوائق، حيث سخرها لصالحه فكانت بمثابة الوقود الذي أنتج مؤلفات رائدة، لعل أبرزها كتابه عن “نظرية المقاصد عند الإمام الطاهر بن عاشور” الذي كسر وهم أن الإمام الشاطبي قد استوفى كل جوانب البحث المقاصدي فاتحاً بذلك البصائر للباحثين في المشرق والمغرب.
وكأحد الفاعلين الذين سعوا إلى تحويل المقاصد من مبحث أصولي تقني إلى رؤية كونية شاملة، يطرح الدكتور الحسني رؤية عميقة تعتبر المقاصد “كينونة إنسانية”، وروحاً تشكل تصورنا وسلوكنا، وليست مجرد إضافات خارجية، ويحذر بشدة من تحويل الشريعة إلى مجرد “أوامر ونواهٍ” جافة تفتقر للتفسير والتعليل؛ إذ يرى أن أي شريعة لا تضفي “معقولية إنسانية” على نصوصها هي شريعة “غير إنسانية”، وغير قادرة على استيعاب تقلبات الحياة المعاصرة، لذا، فإن الإجابة على سؤال المقاصد الوجودي تتطلب بناء “فكر علمي” يزاوج بين الاستقراء التحليلي الدقيق وبين الاستنباط الكلي ليكون هذا الفكر هو “أصل الأصول” الحارس الذي يقي الباحث من الذهول عن المقاصد في خضم التفاصيل المتجددة.
وفي تشريحه للبنية المعرفية للفكر المقاصدي، يرتكز الدكتور الحسني على ثلاثة مبادئ تأسيسية كبرى: التعليل، والفطرة، والفائدة، فالتعليل ممارسة معرفية تنزه الشريعة عن العبثية، وتربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها؛ أي تأكيد أن لكل حكم حكمة تفسر وجوده مما يرسخ المعقولية والتحرر الذهني، في حين تعتبر الفطرة المقياس الذي تختبر به نجاعة الأفعال وتطابقها مع جوهر الخلق الإنساني، فالسماحة، على سبيل المثال، كمقصد مبني على الفطرة، تتحدد بالوسطية التقويمية وليس بالحسابية، وهو ما قد يستوجب التشديد أحياناً لحماية الفطرة من الانحلال، أما الفائدة فهي البُعد الخطابي الذي ينزه الشارع عن اللغو، ويحول الفقيه من “فكر المصادفات” إلى فكر علمي يُدرك العلاقات العميقة بين المعاني والأحكام مما يمنحه يقظة ذهنية لاكتشاف ما غفل عنه السابقون. وهنا ينتقد المتحدث تحويل المقاصد إلى مجرد شعار للتغطية على “العجز الفقهي” أو “الكسل الفكري”، مشدداً على أنها ممارسة اجتهادية تتطلب نظرة نقدية شمولية قادرة على تنزيل الأحكام على الواقع المعقد.
كما يتطرق الحوار إلى تقييم الاتجاهات المعاصرة، حيث يُثني الدكتور الحسني على محاولة الدكتور طه جابر العلواني في صياغة “المقاصد العُليا”؛ (التوحيد، التزكية، العمران، معتبراً إياها صياغة ذكية تمنح الفعل الإنساني معايير تقويمية دقيقة، إذ الفعل يكون واجباً أو مندوباً بقدر تناغمه مع هذه الغايات الكبرى، ويشدد، في هذا السياق، على أن النظرية المقاصدية يجب أن تظل دوماً محلا للفحص والنقد، فإذا ما اعتبرت كاملة ومقدسة تحولت إلى “عقيدة” جامدة، بينما جوهر العلم القابلية للمراجعة والتسديد المستمر.
ويقدم الدكتور الحسني استعارة مدهشة لوظيفة الفقيه المقاصدي واصفاً إياه بـ”الطبيب الماهر”، ويصور الوسطية والاعتدال كـ”تشخيص طبي” لعلاج آفات الغلو، فالوسطية والاعتدال عنده ليست نقطة جامدة بين طرفين، وإنما هي “تقدير ذكي” لحال المكلف؛ فقد يصف التشديد لمن غلب عليه الانحلال، والتخفيف لمن غلب عليه الحرج، ويرى أن غياب هذا النضج العلمي المقاصدي هو ما يولّد آفات الغلو، والعنف، وسوء الفهم، والعصبية، فالتطرف، في جوهره، عمى عن الحقائق الموضوعية، وخروج عن التاريخ، بينما التوسط هو كسب معرفي يؤهل الأمة الإسلامية لاستعادة دورها الحضاري، والشهادة على الناس، بعيداً عن العصبية وهوى النفوس التي تغيب العقلانية، وتغفل الحقائق الموضوعية.
ختاماً، يخلص الحوار، الذي جمع بين الدكتور محمد الناصري والدكتور إسماعيل الحسني، إلى رؤية فكرية عميقة تؤكد أن نضج الفكر المقاصدي لا يتحقق في الفراغ، وإنما يتأسس داخل بيئة مجتمعية حية نابضة يسودها العلم، والمعرفة، وتزدهر فيها الابتكارات التقنية، وتتقدم العلوم الطبيعية بوصفها رافعة أساسية للعقل والاجتهاد، ويستحضر الحوار، في هذا السياق، النظرية التي صاغها العلامة محمد ابن الحسن الحجوي والتي ربط فيها بين هذه البيئة المذكورة وظهور الاجتهاد الصحيح والمطلوب، حيث أن فطاحل علماء الدنيا هم من يعبدون المسالك، ويهيئون الشروط العلمية والمعرفية كتربة حاضنة لظهور المجتهدين المبتكرين في الدين، القادرين على التجديد الواعي وربط مقاصد الشريعة بأسئلة العصر وتحولاته.
التعليقات