مساهمة في النقاش العمومي حول «تهركاويت»
أنس مطيع
باحث في تحليل الخطاب. جامعة القاضي عياض
مساهمة في النقاش العمومي حول «تهركاويت»: قراءة من منظور تحليل الخطاب وإشكالية الخطاب/الحدث
«تهركاويت»: الكلمةُ الحدث، أو حين يتآكل المشروع البحثي أمام سلطة الكلمة
لم تتحول كلمة «تهركاويت إلى حدث خطابي لمجرد حضورها في الاستعمال اليومي أو تداولها في اللغة الدارجة، بل تكتسب هذه الصفة حين تُنتزع من سياقها الأصلي، وتُدفع إلى فضاء الجدل العمومي والإعلامي. فقد ظهرت الكلمة فجأة في سياق ثقافي كان يُفترض أن يتمحور حول تقديم كتاب جماعي يتناول تجربة حسن الفذ الكوميدية، في علاقتها بقضايا الذاكرة والمجتمع والمقدس. غير أن مسار التلقي الإعلامي أعاد توجيه الانتباه من المشروع البحثي في كليته إلى كلمة واحدة، تحولت بفعل التداول إلى مركز الحدث.
بهذا المعنى، لم تعد «تهركاويت» مجرد مفردة عابرة داخل خطاب شفهي، بل صارت علامة خطابية مكثفة اختزلت اللقاء الثقافي وأعادت تشكيل معناه. فبدل أن يشكل الكتاب الجماعي، بما يطرحه من أسئلة حول مشروعية دراسة الكوميديا بوصفها موضوعًا علميًا، الحدث الأبرز، جرى تحويل الكلمة إلى بؤرة إعلامية قابلة للإثارة والتأويل والتداول. وهنا لا يكون الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل فاعلًا في صناعته؛ إذ ينتقي من الحدث ما يبدو أكثر قابلية للانتشار، ويمنحه حضورًا يفوق أحيانًا حضور المشروع الأصلي نفسه.
من هذه الزاوية، تكشف «تهركاويت» عن توتر بين منطقين متباينين: منطق البحث العلمي، الذي يسعى إلى تفكيك تجربة فنية وكوميدية من داخل أسئلة المجتمع والذاكرة والمقدس؛ ومنطق الإعلام والتداول الرقمي، الذي يميل إلى اقتناص العبارة الصادمة، والكلمة المثيرة، والجزء القابل للتحويل إلى جدل. ولذلك لا تكمن أهمية الكلمة في معناها اللغوي وحده، بل في قدرتها على إزاحة مركز الاهتمام من المشروع العلمي إلى السجال الإعلامي.
وعليه، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يظل محصورًا في: لماذا أثارت كلمة «تهركاويت» كل هذا النقاش؟ بل يجب أن يتجه نحو سؤال أعمق: كيف تآكل حضور المشروع البحثي أمام سلطة كلمة واحدة؟ ولماذا لم يُسمع صوت الباحثين بالقدر نفسه الذي سُمعت به كلمة الفنان؟ هنا يصبح الحدث الحقيقي مزدوجًا: فمن جهة، هناك كلمة تحولت إلى موضوع خطاب؛ ومن جهة أخرى، هناك مشروع علمي جماعي جرى حجبه أو تهميشه بفعل منطق الانتقاء الإعلامي. ومن ثم، فإن تحليل «تهركاويت» بوصفها كلمةً حدثًا يسمح بفهم الكيفية التي تُصنع بها الأحداث في الفضاء العمومي، وكيف يمكن لعبارة جزئية أن تحجب سؤالًا علميًا أوسع حول الكوميديا، والمجتمع، والبحث الأكاديمي.
التعليقات