“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب
يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها ذا انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على المغرب وتموقعه في غرب إفريقيا والفضاء الأطلسي.
وتكمن أهمية مالي في كونها نقطة تماس بين الصحراء الكبرى والساحل وغرب إفريقيا والمجال المغاربي، وهو موقع يجعل هشاشتها تتجاوز حدود الأزمة الداخلية لتتحول إلى عامل مؤثر في توازنات إقليمية واسعة، خاصة أن حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب ومسارات الهجرة غير النظامية وتجارة السلاح لا تخضع لمنطق الحدود الرسمية، وإنما تتحرك وفق مناطق النفوذ والفراغات الأمنية والولاءات المحلية.
من هذه الزاوية، يصبح الملف المالي جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب، لأن نتائج الميدان في باماكو أو كيدال أو غاو لن تبقى محصورة داخل التراب المالي، في ظل ترابط فضاء الساحل وتحول أي اختلال في إحدى عقده إلى عامل مؤثر في بقية الشبكة، بما يفرض على المغرب قراءة استباقية لما يجري هناك تربط بين الأمن والتنمية والدبلوماسية الدينية والمنافسة الإقليمية.
ويزداد الملف المالي حساسية في ظل التنافس المغربي الجزائري على النفوذ داخل إفريقيا، خاصة بعد تعزيز المغرب حضوره في غرب القارة وبناء علاقات سياسية واقتصادية وروحية أكثر عمقا مع عدد من دول الساحل، وهي تحولات تنظر إليها الجزائر باعتبارها تهديدا لمجال نفوذ اعتادت توظيفه ضمن حساباتها الأمنية والدبلوماسية.
وفي هذا الباب، يكتسب التقارب المغربي المالي أهمية خاصة، لا سيما بعد موقف باماكو الداعم للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو تحول يتجاوز دلالته الثنائية ليعيد ترتيب جزء من معادلة الصحراء داخل الساحل، ويضع مالي في موقع سياسي جديد ضمن شبكة الدول الإفريقية التي تقترب من الرؤية المغربية للحل.
ومن الطبيعي أن يثير هذا التقارب قلقا لدى الجزائر، لأنه يقلص هامش المناورة الذي استثمرته طويلا في المنطقة ويفتح المجال أمام حضور مغربي أوسع في فضاء الساحل، بما يجعل أي ضغط أمني أو سياسي على باماكو، بعد تحول موقفها من قضية الصحراء، معطى يستدعي قراءة دقيقة في الرباط تأخذ في الاعتبار تداخل الأمن المالي مع التنافس الإقليمي ومحاولات التأثير في خيارات الدول الإفريقية.
وتطرح التحركات الأخيرة لحركة أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أسئلة مركزية حول طبيعة القوى المستفيدة من إضعاف الدولة المالية، بالنظر إلى أنها تجمع بين نزعتين خطيرتين، الأولى انفصالية تستهدف وحدة الدولة، والثانية جهادية تسعى إلى تأسيس سلطة موازية باسم الدين والسلاح، بما يجعل التقاء هذين المسارين داخل بيئة هشة عاملا لرفع مستوى التهديد بالنسبة إلى مالي ومحيطها الإقليمي.
وتذهب بعض التحليلات (الجزائرية) إلى وجود رهان على إعادة إنتاج نموذج سياسي يقوم على انتقال جماعات مسلحة ذات خلفية متطرفة من منطق المواجهة إلى منطق البراغماتية والانفتاح الخارجي، على غرار تجارب ظهرت في مناطق أخرى (احمد الشرع في سوريا)، إلا أن هذا الرهان ينطوي على مخاطرة استراتيجية كبرى، لأن تحويل الجماعات المسلحة إلى فاعل سياسي شرعي، من دون تفكيك بنيتها العنيفة وارتباطاتها العقائدية والتنظيمية، قد يؤدي إلى تطبيع التطرف داخل مؤسسات الحكم.
إن أي تمدد للجماعات المسلحة في مالي قد يمنح أطرافا انفصالية، وفي مقدمتها البوليساريو، هامشا أوسع للحركة داخل فضاء مضطرب، ومع تراكم المؤشرات المتعلقة بتداخل بعض الشبكات الانفصالية مع التهريب والجريمة العابرة للحدود، يصبح إدراج هذه الديناميات ضمن التقدير الأمني المغربي ضرورة استراتيجية، لأن المعادلة لم تعد سياسية فقط، وإنما أصبحت أمنية وإقليمية وشبكية.
وتزداد المخاطر في ظل الفراغ الذي خلفه تراجع الحضور الفرنسي في الساحل ومحدودية الدور الروسي في ضبط المشهد الأمني، لأن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى مفتوحة طويلا، إذ تسارع الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب والقوى الإقليمية المتنافسة إلى ملئها وفق مصالحها، بما يجعل الساحل اليوم إحدى أكثر مناطق إفريقيا قابلية لإعادة التشكل العنيف.
كما تمنح المبادرة الأطلسية التي يقودها المغرب هذه التطورات بعدا استراتيجيا إضافيا، لأن الرباط لا تنظر إلى الساحل من زاوية أمنية ضيقة، وإنما من خلال تصور يربط دول المنطقة بالمحيط الأطلسي ويفتح أمامها منفذا اقتصاديا واستراتيجيا جديدا، بما يجعل ضرب استقرار مالي أو تعطيل تقاربها مع المغرب محاولة، في أحد أبعادها، لإضعاف هذا التصور وقطع امتداده جنوب الصحراء.
لذلك، فإن من مصلحة المغرب أن تبقى مالي دولة موحدة وقادرة على الانخراط في مشاريع إقليمية كبرى، لا ساحة مفتوحة للجماعات المسلحة وحسابات المحاور..
إن المغرب يمتلك ورقة مهمة في مجال الأمن الديني يمكن توظيفها ضمن شراكة رصينة مع مالي، لأن الجماعات المتطرفة تسعى إلى إنتاج شرعية محلية عبر الخطاب الديني والوساطة وإدارة بعض الخدمات في مناطق ضعف الدولة، وفي مواجهة هذا النمط من التغلغل يملك المغرب رصيدا معتبرا من خلال إمارة المؤمنين وتكوين الأئمة والمرجعية المالكية والعلاقات الروحية التاريخية مع غرب إفريقيا.
في نظرنا ينبغي أن يندرج دعم مالي في هذه المرحلة ضمن تصور مغربي أوسع لأمن الساحل، يقوم على حماية وحدة الدول وتجفيف منابع الإرهاب ومواجهة الانفصال المسلح وفتح أفق اقتصادي لشعوب المنطقة، لأن استقرار مالي يشكل مصلحة مغربية وإفريقية وأطلسية في آن واحد.
الخلاصة أن ما يجري في مالي يضع المغرب أمام اختبار استراتيجي واضح، لأنه يتعلق بدولة قريبة من مجاله الحيوي وشريك سياسي بات داعما لوحدته الترابية وساحة تتقاطع فيها حسابات الجزائر والجماعات المسلحة والتنافس الدولي والمبادرة الأطلسية المغربية، بما يجعل الرباط معنية بمتابعة دقيقة وحضور مؤسساتي أقوى حتى لا يتحول الساحل إلى منصة ضغط ضد مصالحها ووحدتها الترابية وامتدادها الإفريقي.
التعليقات