18 ديسمبر 2019 / 21:08

قول عاجل في خرافة انشقاق القمر

محمد ابن الأزرق الأنجري

محمد ابن الأزرق الأنجري
أولا :
نؤمن بقوله تعالى في سورة القمر : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، بمعنى : إذا اقتربت الساعة / القيامة قربا شديدا سينشق القمر ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ).
ونرفض الخرافة القائلة بأن القمر انشق زمن النبي صلى الله عليه وسلم نصفين ثم التحم مجددا لأن انشقاق القمر من شأنه أن يحدث الدمار في الأرض ، ولأنها حادثة لو حصلت لسجلتها الدوائر العلمية حينئذ في البلاد المتمدنة ، ولبقيت آثار ذلك في القمر ، ولأن القرآن الكريم صرح بانتهاء الآيات الكونية وامتناعها فقال الله سبحانه : ( وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) .
قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم؛ فلما آتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلم يصدّقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنَّا لو أرسلنا بها إليها، فكذّبوا بها، سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها.
وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك … ) هـ
فما كنا لنصدق الرواية ونترك الآية .

ثانيا :
يزعم مروجو الخرافة أنها متواترة قطعية الثبوت وهم مقلدون أو واهمون أو كاذبون أو مدلسون …
فالقصة مروية عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين .
أما أنس فمن أهل المدينة وكان قبل الهجرة صبيا ، فكيف حضر الواقعة ؟
وأما ابن عباس فلم يكن مولودا !
وأما ابن عمر فكان قبل الهجرة طفلا ولم يصح سند خبره .
وحذيفة كان قبل الهجرة بالمدينة وليس بمكة ، وسند روايته ضعيف .
وجبير بن مطعم كان مشركا قبل الهجرة وحديثه ضعيف أيضا .
والصحابي الوحيد الذي صح الخبر عنه وكان موجودا بين المسلمين قبل الهجرة وصرّح برؤية القمر منشقا ، هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، ومنه أخذ الباقون خبر الانشقاق .
فكيف يدعي المنتسبون للعلم والفكر أن خرافة انشقاق القمر متواترة وهم يعلمون شروط التواتر ؟
لو صحت أحاديث هؤلاء كلهم ما كانت القصة متواترة إلا عند طائفة قليلة من المحدثين مع شرط أن يصرحوا جميعهم بمشاهدة انشقاق القمر ، أو ينسبوا جميعهم سماع الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بشرط أن ترويه عن كل واحد منهم جماعة من التابعين ثم جماعة من أتباعهم …
إن أحاديث هؤلاء الصحابة من طريق الآحاد إليهم ، فلم يتواتر عن أي واحد منهم ذلك .
فأرجو ان يخجل الزاعمون للتواتر من انفسهم أولا ومن المتابعين ثانيا .

ثالثا :
لم يذكر أحد من الصحابة أنه سمع قصة الانشقاق من النبي نفسه ، بل أرسلوا الخبر مسقطين الصحابي الذي منه سمعوا الخبر وهو ابن مسعود ، ولا مجال للزعم بأنهم سمعوها من النبي أو الصحابة الاخرين افتراضا ، فالصحابي الوحيد الذي روى الخبر على أنه حضره وشاهده هو ابن مسعود حصرا .
قال في رواية : ( انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر ) .
وفي أخرى : انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ: ” اشهدوا ” .
ومن حقنا أن نشك في روايته المنفردة ، إذ لو صح أن الحدث وقع بمكة والصحابة مع رسول الله والمشركون حاضرون ، لذاع الخبر لجلالته وتناقلته كافة الصحابة ، ولأظهره من تأخر إسلامه منهم وكان مكيا ، وهو ما لم يحصل ، فهناك خلل حتما وحلقة مفقودة توصلنا إلى أن ابن مسعود لم يضبط الحدث جيدا .
فماذا يمكن أن يكون قد حدث ؟

رابعا :
روى الطبراني عن ابن عباس بإسناد جيد قال: كُسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سَحَر القمر ، فنزلت: ( اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولواسحر مستمر) .
فالذي حصل من خلال هذه الرواية هو أن إشارة النبي للقمر صادفت كسوفه ، فظن المشركون أنه سحره لأنهم ينظرون بعين السخط ، وظن ابن مسعود أنه انشق لأنه ينظر بعين الرضا ، ثم صار يحدث على أنه حادثة انشقاق .
قال في رواية : انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر .
وفي ثالثة : لقد رأيت جبل حراء بين فلقتي القمر، فذهب فلقة، فتعجب أهل مكة من ذلك وقالوا: هذا سحر مصنوع سيذهب.
وكل ما حكاه ابن مسعود ينطبق على أحوال الخسوف والكسوف .
ويبدو أن المشركين الذين حضروا الواقعة لم يحصل في حياتهم خسوف ولا كسوف ، أو حصل ولم يروه ، فلم يكونوا يعرفونه ، لذلك ظنوه سحرا ، والخسوف والكسوف آيتان كونيتان بنص الحديث الصحيح أيضا .
وفي العالم اليوم من لا يعرف الخسوف والكسوف ولم يره على الرغم من قوة وسائل الإعلام .

خامسا :
روايات القصة مضطربة متنافرة ، ففي بعضها أن التحدي جاء من أهل مكة ، وفي أخرى أنه تحد من اليهود للنبي ، وأما الجبلان اللذان ظهر عليهما شقا القمر فحدث ولا حرج .
في رواية : رأوا نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان .
وفي ثانية : أحدهما على الصفا والآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب.
وفي ثالثة : فرقتين فرقة خلف الجبل ، دون تحديده وتحديد جهة الفرقة الثانية .
وفي رابعة : فرقة فوق الجبل الذي بمنى.
وفي خامسة : منشقا باثنتين بينهما حرا، أي لم يكونا على جبلين
وفي بعض الروايات أنه حصل ليلا ، وفي أخرى تقدمت أنه كان بين العصر إلى الغروب .
فليتفق الرواة على قصة واحدة ليستحق خبرهم النظر المعتبر .

سادسا :
بعض المغاربة من فرط حبهم وشوقهم ، رأوا السلطان محمدا الخامس في القمر أوائل الاستقلال !
وبعض الصحابة كابن مسعود إن صح عنهم خبر الانشقاق ، إنما سمعوا قوله تعالى ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) بعدما تحدى المشركون النبي صلى الله عليه وسلم ، فتخيل هؤلاء الصحابة أن القمر انشق فعلا !!!
عاطفتهم دلست عليهم فرووا ما ما تخيلوا على أنه واقع !!!
الناس الْيَوْم يَرَوْن السحب فيتخيلون أنها تكتب اسم الجلالة الله أو النبي محمد أو كلمة التوحيد …كل ذلك بوحي العاطفة الدينية .
وحين كنّا صغارا ، قيل لنا إن في القمر صورة الحصان وغيره ، فرأيناها فعلا وتخيلناها !!!
كل هذا عجالة ، إذ لَم أتفرغ لدراسة أسانيد القصة والمقارنة بين رواياتها للكشف عن مدى سلامتها من التحريف والكذب والدس على ابن مسعود خاصة .
فماذا عساهم الفضلاء الذين يشبهون خرافات أبي هريرة بما ورثوه من تفسيرات خرافية لبعض آيات الكتاب الحكيم يقولون ؟