قراءة في اشتغال وائل حلاق على التراث العربي الإسلامي
يحيى صلاح المغربي. باحث مصري
“لماذا أدرس الشريعة؟ لأنني قررت ومن غير سبب واضح
شخصي أو أيديولوجي أو اجتماعي أو ديني أو سياسي أن أدرس الشريعة”
هكذا استهل البروفيسور وائل حلاق محاضرته في أكاديمية القاسمي بعنوان “قراءات في الفقه والفلسفة” في عام 2017 معبرًا عن تيار دراسي مهم في القراءة التاريخية
وهي محاضرة وصلتها لأني بدأت مع صديق لي في تتبع إنتاج الدكتور تواليًا من خلال مشاهدة أهم محاضراته على يوتيوب ثم قراءة أهم كتبه على الترتيب وهي (الشريعة – قصور الاستشراق – إصلاح الحداثة – الدولة المستحيلة).
في هذه المحاضرة التي لا تصل حتى إلى 40 دقيقة يلفت الدكتور إلى منهجه الأكاديمي -الذي جر عليه نقودات شتى- الساعي إلى إعادة تحليل وتفسير الدراسات الأكاديمية الحديثة في الشريعة بمعزل عن التأثير السلبي المباشر لمفاهيم عصر التنوير الأوروبي.
على الخصوص يسمي المفاهيم المتعلقة بالتقدم الخطي للمسار التاريخي وفصل الحقائق عن القيم، التي ظهرت في محاولات إجبار الشريعة على الخضوع للتصنيفات القانونية الغربية أو تقليصها إلى مجرد ظاهرة تاريخية ساكنة.
الدراسات الأكاديمية السائدة تساهم في استمرار نوع من “الاستعمار المعرفي” الذي يشوه طبيعة الشريعة ذاتها. فيسعى في المقابل حلاق إلى تعزيز الفرضية الأساسية من خلال وضعها في سياق أوسع يشمل النظريات المعاصرة حول ما بعد الاستعمار ودراسات العلمانية النقدية.
حلاق يشتبك إيجابًا وسلبًا مع 3 مدارس نظرية رئيسية متقاطعة:
الأولى هي المدرسة ما بعد الاستعمارية
والثانية هي دراسات العلمانية النقدية (كتحليل طلال أسد للتقاليد الخطابية ونقد صبا محمود للنزعة الليبرالية العلمانية)
والثالثة مدرسة الفلسفة الأخلاقية الإسلامية (عند أهم أعلامها المعاصرين طه عبد الرحمن).
يجادل حلاق عن اعتبار الشريعة بالأساس نظام علاقاتي لا يفصل بين القانون (الفقه)، والأخلاق (التصوف والإحسان)، والنظام الكوني الذي خلق الله عليه الكون.
ومن هذا المفهوم يرى حلاق أن الشريعة معين لا ينضب يشكل مصدرًا فعالًا للمعرفة، ومنه ينطلق بطبيعة الحال إلى أهم نقوداته (وأكثرها إشكالية بالطبع) نقد ضعف سيادة الدولة، وتفكك الهوية الأخلاقية الحداثية، بل وتدهور البيئة أحيانًا.
ينتقد حلاق في محاضرته النزعة الوضعية في الفكر السياسي الحديث وإن لم تخل المحاضرة من كلامه المتكرر عن نقد النظرية السياسية للسيادة باعتبار الشكل الإسلامي الكلاسيكي لم يكن مركزيًا بذات الطريقة
كما أنه يستكشف العلاقات بين علوم كأصول الفقه والكلام والتصوف بهدف إعادة بناء الافتراضات الأنطولوجية الأساسية الخاصة بهذه العلوم وكيفية تصورها للواقع بوصفها جميعًا منطلقة من معين رباني سماوي واحد مبني على اسم الله الحق.
تعليق الفقير -وأنا شديد الإكبار والانبهار بوائل حلاق- أنه ثمة خطر دائم يظهر في كل مرة يستخدم أحد الأكاديميين مصطلحات نقدية حديثة كالاستعمار المعرفي أو ما بعد الاستعمار لوصف الهياكل الإسلامية الكلاسيكية.
لأننا إن لم نكن حذرين فقد تنتقل مخاوفنا النقدية إلى فقهاء عصور ما قبل الحداثة أنفسهم. خاصةً وتأملنا لفترات التحول المفصلية -كفترة مشاريع تكويد القوانين (أو الفقه) في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين- ليس كافيًا لنجزم بطرق تغير العلاقات داخل المجتمعات الإسلامية من الشبكات المعرفية الموزعة وغير المركزية إلى الشكل البيروقراطي القانوني الخاضع لسيطرة الدولة والذي يصفه د. حلاق بأنه (دولة مستحيلة).
وقد يرى الأصدقاء من نقاد د. حلاق أن هذا يجعلني متفقًا معهم في مخالفته دومًا في زعومه العريضة تلك.
غير أني دائمًا ما أقرأ ما يقدمه حلاق بمنظور بديل
يتعامل مع الشريعة كمنهجية نشطة وقادرة على التطور باستمرار -وهذا ما أفهمه دومًا من حلاق وأستغرب أن الأصدقاء لا يشاركوني ملاحظته في كلامه دومًا- لا بوصفها منتجًا تاريخيًا مصمتًا ومكتملًا لا يجب مسه أو تغييره كما أنه سواءً بسواء لا يمكن تفعيله أو تشغيله.
إن مناهج السادة العباقرة الأفذاذ من علماء الشريعة عبر العصور في الفهم عن النص وتكييفه في الواقع هو وحده ما سيسمح لنا بالحفاظ على علاقة نظرية متوزانة بين العلوم الإسلامية الشرعية “الكلاسيكية” والنظريات النقدية الحديثة.
خصوصًا وأن العلوم الشرعية كانت مخطوطة بيد عباقرة استطاعوا دومًا بعقولهم التي لم يجد الزمان بمثلها أن يتوقعوا كثيرًا من الانتقادات المعاصرة للنزعة الشكلانية في القانون وللعقلانية الأداتية وغيرها من الانتقادات وأنتجوا نظامًا معرفيًا يحافظ على حيويته وعلى هويته المعرفية المميزة دون أن يقع في هذه الفخاخ النظرية.
أختم بكلمة هامة يقولها البروفيسور في المحاضرة وسأذكرها كما فهمتها
وهي أن مشروع وائل حلاق العلمي لا يتعلق بإقصاء الإسلام عن عالم الدولة الحديثة الواثق من نفسه الذي لا يقبل الشرك. ولكنه يتعلق بإجلاس مشروع الحضارة الإسلامية على طاولة دراسات ما بعد الحداثة النهمة للمعرفة والأقل يقينية من سلفتها، لأن هذه الخطابات جديرة بسماع ما عند الإسلام، بشرط ألا يحدث هذا على أرضية حداثية أو بنت بيئة محاولات تفكيك الحداثة لإعادة بنائها من جديد كما كانت. بل من بيئة معادية لها تمامًا ربما وتهدف إلى (نقض) الحداثة لا (نقدها) فقط.
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك
التعليقات