غيرةً منا على “فن السماع”
محمد التهامي الحراق
لقد أجلتُ كثيرا هذا الحديث حتى أستزيد تبينا ومتابعة؛ لكن شعوري، ضمن آخرين، بالمسؤولية الفكرية والفنية نحو واحد من أعظم تجليات الميراث الجمالي الروحي المغربي المعروف ب”فن السماع”، دعاني لتسجيل الملاحظات التالية؛ إسهاما في صون حمى هذا الفن الروحاني، ورعايةِ خصوصيات وظائفه الروحية والأخلاقية والجمالية، والتي ينبغي اعتبارها في كل عناية مرعية وتجديد مطلوب وتحيين منشود. ومن هذه الملاحظات:
– فن السماع ليس مجرد مظهر فولكلوري فني للتسلية والترويح، وإن كانا مطلوبين في غيره، ويحققهما أيضا بطريقته التي لا تنسف أصوله ووظائفه المخصوصة. فن السماع وجه من أوجه الذكر في المدارس التربوية الروحية، وأداة من أدوات التربية والتزكية والترقية بالجمال. ومن ثم، فَجِدّه جدٌّ وهزلُه جد، والجمال هو معوله في صياغة هذا الجد. لذا، وجب التذكير بأن السماع بهذا الاعتبار يتجذر في القرآن الكريم، النور الخالد في الإنسانية، وفي السيرة النبوية النورانية، يستمد منهما رؤيته وقيمه ولغته وإشاراته وآفاق المعنى الذوقي الرحب الذي يصدر عنه ويطلبه. ومن كان روحه القرآن الكريم والسيرة النبوية كان أبعد ما يكون عن التسلية المجانية، أو الترويح النفسي السطحي، أو استثارة النزوات والأهواء.
– فن السماع أيضا ليس مادة للتسليع والفرجة والتسييل الاستهلاكي؛ إنه يُطلَب للتخفيف من هذه الآفات لا للخضوع لها. هو مفتاح من مفاتيح روحنة الحياة المعاصرة لا أداة من أدوات دَنْيَوَةِ كلام أهل الله وفتوحهم الجمالية في الدلالة على الله وترسيخ محبته ومحبة رسوله. لقد بذل علماؤه وأولياؤه عملا رفيعا من أجل تصويف معاجم علوم النحو والفقه والعروض والموسيقى…وكذا معاجم الحقول الدلالية الشعرية الطبيعية والغزلية والخمرية والطللية؛ صنعوا ذلك لتوسيع لغة القوم في التعبير عن محبتهم التي لا تضاهى لمحبوبهم المتعالي الذي لا يُضاهى. ومن ثم، من الجحود دنيوة معانيهم ورموزهم وإشاراتهم في ردة مقيتة على نهجهم في الروحنة والتصويف.
– فن السماع، ثالثا، ليس أشكالا من التغني بأشعار لا يفقهها من ينشدها، أو أنغام لا يتشرب روحانيتها من ينشدها، بحيث توضع كيفما اتفق، وأينما اتفق، ومع من اتفق. وهنا، أتوجه، تمثيلا، إلى ظاهرة جديدة هي ظاهرة “كورالات؟؟” المديح والسماع. وإنني بقدر ما أشجع الفكرة ومقصدها التربوي والتخليقي والفني النبيل، وبقدر ما أشيد ببعضها وما تبذل من اجتهادات في هذا الأفق، فإنني أسجل أن العديد منها تسيء من حيث تريد الإحسان، وتقع في محظورات معرفية وروحية وفنية، حين مثلا تخلط بين الخصوصية الروحانية لفن السماع وغيره، أو حين تتعامل مع نصوصه وأشعاره وكلام أوليائه خارج سياقاتها الجمالية الروحانية المخصوصة…الخ.
– فن السماع، رابعا، ليس مادة للإثارة عبر نشر الرقصات وتحريك الأجساد باسم التواجد، دون مراعاة شروط هذا التواجد من زمان ومكان وإخوان وذوق وتخلق وتحقق…إلخ. ولذا، كنت وما زلت ضد تصوير حلقات العمارة والوجد، لأن في ذلك إذاية لأهلها، وشينا لمعناها وحقيقتها، ونشرا لما حقه الصدق في الأحوال والكتمان عند الوجد؛ أي حقه الضن به على غير أهله، كما أكد على ذلك القوم قديما وحديثا. هذا فضلا، عن عدد من شروطها الأخرى التي سبق أن بسطنا بعضها على قناتنا في اليوتوب ذات حلقة من حلقات “بين هناك وهنا”.
– فن السماع، خامسا، يعاني من آفة مزدوجة؛ تناقص مراكزه التقليدية الواحد بعد الآخر ( مجلس البردة صبيحة كل جمعة بمشهد المولى إدريس الأزهر بفاس، مجلس البردة صبيحة كل جمعة بمشهد سيدي العربي بن السايح..)؛ ثم اختصار التصوف الزاوياتي في السماع، بحيث يكاد يُختصر عمل الطرق في السماع، وهو على أهميته ونفاسته مكون ضمن منظومة، وجزء ضمن كل يشمل العلم والتعليم والتربية والتأطير الروحي والعمل الاجتماعي…. وهو ما وعته بعض الزوايا، فيما التفريط فيه هو الغالب.
– فن السماع، أخيرا لا آخرا، ما زال منسيا معرفيا وفلسفيا وروحيا وجماليا واجتماعيا.. من الدراسات العلمية الأكاديمية إلا في ما ندر؛ ما زال البعض ينظر إليه بارتياب دون القدرة على الغوص في نصوصه لاكتشاف غناها المعرفي والفلسفي والروحي والأدبي والفني والوظيفي .. ؛ بل إنه ما زال في حاجة إلى تحقيق نصوصه، والتعريف بأعلامه، وكتابة تاريخه، وتصنيف مدارسه، وتوثيق درره، قبل إمعان وإنعام النظر التحليلي في مكوناته المعرفية والروحية والجمالية…الخ.
هذه بإجمال بعض ملاحظات مختصرة مقتضبة أملتها الغيرة على “فن السماع”، بما هو واحد من درر العلم والفن والجمال والروحانية في المغرب الحضاري، وأحد أبرز إسهاماته في تلطيف الذوقي الجمالي الإنساني. وهنا، وجب التنويه ببعض حكماء هذا البلد ومسؤوليه وأرباب زواياه ومؤسساته الجمعوية…الذين ما فتئوا ينبهون وينتبهون لهذا المغرب الحضاري، الذي صنع فرادةً علينا أن نبذل أكثر لنتشربها ونستثمرها تنمويا، ونعرف العالمين بأفقها القيمي والمعنوي الكوني الاستثنائي.
بوركتم
التعليقات