رأي: طرق استنباط الحكم الشرعي عند الفقهاء

6 مايو 2026

ذ. محمد المهدي اقرابش 

أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا

لا يكف الفقهاء في مجالسهم عن التذكير بوجوب سؤال اهل الذكر عند استعصاء فهم مسألة فقهية، او استشكال حكم شرعي، لأن الصناعة الفقهية تحتاج إلى أدوات وطرق لاستنباط الحكم الشرعي.

وقد قال الله في محكم تنزيله: “ولو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”. والشاهد في هذه الاية في الجملة الفعلية ل: “يستنبطونه”.

والاستنباط معناه استخلاص حكم أو فهم أو معنى من آية او حديث نبوي شريف و هو يحتاج إلى جهد وإعمال ذهن.

وطرق الاستنباط ثلاثة وهي :

1- استنباط الحكم انطلاقا من القواعد الأصولية اللغوية:

فمن كان ضعيفا في العربية لايمكنه ان يستنبط الاحكام باتفاق ودون ريب ولا شك. لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، و فهم العربية شرط ضروري لفهم مراد الله تعالى من آياته ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من أقواله و أفعاله وتقريراته.

ترتبط القواعد اللغوية ارتباطاً وثيقاً بألفاظ القرآن والسنة ودلالاتها، وهي مستقاة من أساليب العربية، وما درج عليه العرب في كلامهم، خاصة زمنَ الوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتكون علاقة اللفظ بالمعنى وضعا والوضع إما أن يكون خاصا أو عاما أو مشتركاً.

أ- فالخاص: هو لفظ لواحد كمحمد و فاطمة، أو لجنس و هو كثير محصور في لفظة واحدة كإنسان وحيوان أو لعدد. ومن فروع الخاص الأمر والنهي، و هما مطلقان إذا أفادا وجوب الفعل او الترك، و مقيدان إذا جاءا بقرينة تصرفهما عن وجوب الفعل أو الترك أي التحريم.

ب- العام: هو اللفظ الذي يستغرق جميع ما يصلح له دفعة واحدة و بدون حصر ككلمة: كل وجميع وكافة وعامة والأسماء الموصولة والشرط والاستفهام. وقد يتعلق العام ببعض مسمياته فيسمى تخصيصا، ومثاله قول الله تعالى :”ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم” الآية. فالناس هنا لا تشمل كل الناس، وانما ابا سفيان ومن معه من المشركين والمناوئين.

ومثاله الثاني ورود آية “وأولٰت الأحمال أجلهن ان يضعن حملهن” لتُخَصِّصَ آيةً تقولُ : “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ” و يسمى هذا التخصيص منفصلا لانفصال الآيتين. فجاء ان المطلقة تعتد بثلاث حيضات إلا الحامل فإن عِدَّتها تنتهي بوضع الحمل و لو بلحظة أو بيوم بعد الطلاق. ويكون التخصيص متصلا إذا كان باستثناء مثلا كقول الله تعالى: “إلا من تاب” الآية، أو صفة أي نعت معنوي، كقولنا اكرم الناس الفقراء، فنخرج بهذا الاغنياءَ من الكلام أو شرطٍ كقول أكرم محمدا ان جاء، وإ حرف إنْ هي شرطية او غايةٍ كقول الله تعالى “إلى المرافق” الآية، أي إلى غاية المرافق، اما بعده فلا يقع عليه التكليف بالغسل، أو بدلٍ للبعض من الكل، كقول الله تعالى “ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا” الآية . و جملة “من استطاع” جاءت هنا للتخصيص.

ج- المشترك: هو اللفظ الذي يطلق على شيئين، كالقرء في القرآن الكريم، و الذي يعني الطهر كما يعني الحيض. أو الصلاة والتي تعني ركن الإسلام الثاني أو الدعاء أو الدِّين. و لا يمكن معرفة المعنى إلا في سياق الكلام و مع قرينة توجه إلى المعنى المراد. و هو أمر يدل على غنى اللغة العربية من حيث ألفاظُها ومعانيها، و لايحيط بها إلا نبي و لعلها من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

ويستعمل اللفظ لتحديد معنى محددا، وقد يفيد معنى آخرا إذا اقترنت بقرينة تصرفه عن المعنى الأول؛ و مثله كالأسد الذي نعني به السبع الهصور، و قد نعني به الشجاعة إذا قلنا عن إنسان إنه أسد، أو نقصد إنسانا أبخر الفم، أي ذا رائحة كريهة تصدر من فمه.

إنها مسائل لغوية أصولية، خاض فيها الفقهاء الأصوليون والفلاسفةُ أيضا، مسلمين وغير مسلمين . و من أراد معرفة رأي الفلاسفة والمناطقة من غير المسلمين فأعمال جاك ديريدا وديسوسير الفرنسي جديرة بالدراسة على سبيل الاستعانة خاصة في ما يتعلق بالفورنيم والمورفيم. أما العلماء المسلمون فقد أشبعوا الموضوع دراسة وبحثا. ولا يزال النقاش حاصلا بين اللغويين والمناطقة والأصوليين في مثل هذه المسائل.

واللفظ إما أن يستعملَ فيما يتداوله الناس عادة فيكون حقيقة أو لفظا صريحا، كقول الزوج لزوجه: أنت طالق، و اللفظة هنا صريحة لا تحتاج لنية. أما إذا عبر الزوج بكناية فقال لزوجه: كلٌّ يذهب إلى بيت عائلته، فهنا نسأل عن النية هل هي نية طلاق أم لا . والمقام لا يتسع للتفصيل في هذه المسألة.

ودلالة اللفظ على المعنى قد يكون ظاهرا إن لم يكن مقصودا في الكلام واحتمل التأويل كلفظ أسد، و هو ظاهر لأنه محتمل للتأويل بالشجاعة والجسارة. وكذلك بالنسبة لصيغة الأمر هي ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب والإباحة. ويقابل الظاهر كلمة النص، الذي لا يحتمل التأويل لأنه مقصود في الكلام كقوله تعالى “فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة” الآية. فالنص هنا لا يقبل التأويل لأن العدد والمعنى واضحان لا يقبلان التأويل. و لا يستغنى عن إعمال النص إلا إذا لحقه نسخٌ. و يسمى هذا النوع من الدلالات والألفاظ بالمحكم. و نجد مايقابله عند أهل القانون الجنائي في قولهم: لا جريمة بدون نص. أو عند من قال: لا اجتهاد مع وجود نص . أي لا تأويل مع وجود نص. والمسألة يطول شرحها من حيث ظروف استدعاء وإعمال النص؛ و لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

و قد يأتي اللفظ كما ذكرتُ أعلاه مشتركا، و بأدلة متعارضة فَيُحتاجُ معه إلى دليل لمعرفة معناه أو لتمييز شكل من أشكاله وهو الذي يسمى بالْمُشْكِلِ.

وقد يكون اللفظ محتاجا إلى بيان إذا ورد مُجْمَلاً كالصلاة والزكاة والصوم والحج؛ فيبين الشارع ما أجمله وهو مايسمى عند الأصوليين بالمُجْمَلِ.

أما ماغاب من الألفاظ إدراكها بالعقل والدليل والقرائن فإنه يدخل في دائرة المتشابه كالأمور الغيبية مثلا.

وقرر الأصوليون مصطلح دلالة العبارة إذا دلت اللفظة على المعنى المتبادر للذهن أما إذا اسْتُقِيَ من اللفظة معنى آخراً لا يتبادر بداهة إلى الذهن، فإنه يسمى بدلالة الإشارة، ومثاله قول الله تعالى: “فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”الآية؛ و دلالة العبارة هنا تكمن في أن نسأل العلماء أهل الذكر، أما دلالة الإشارة فهي أن نوجد ونُكَوِّنَ ونعتني بأهل العلم من الفقهاء والعلماء لحاجة الناس إليهم.

و قد تكون دلالةُ الإشارة موافقةً لدلالة العبارة، لدخول الأدنى في الأعلى، والأخف في الأشد ومثاله في قول الله تعالى: “ولا تقل لهما أف” الآية؛ وعبارة “أف” اسم فعل مضارع يدل على التضجر و التأفف ضد الأبوين، و هو محرم شرعا، ومن باب أولى يحرم شرعا سبهما وشتمهما . و هذا الذي يسميه الأصوليون بدلالة الموافقة. و قد تكون الدلالة دلالة اقتضاء، ليستقيم المعنى ويصح الكلام. فمثلا نحتاج إلى التقدير في قول الله تعالى: “حرمت عليكم أمهاتكم ..” الآية فنقدرها اقتضاء بحُرِّمَ عليكم الزواج بأمهاتكم.

ودلالة المخالفة هو ما نستشفه من عكس المنطوق، و مثاله قول الله : ” والله لايحب الفساد” الآية؛ فمفهوم المخالفة المسكوت عنه في الآية هو أن الله يحب الصلاح والمصلحين. ومفاهيم المخالفة عشرة وأضعفها اللقب فليرجع إلى مظانها من أراد البحث والفهم.

2- استنباط الحكم عن طريق المقاصد الشرعية:

يُعْمِلُ الفقيه الأصولي الأصول و القواعد الفقهية ومقاصد الشرع لحفظ الكليات الخمس أو الست، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وأضاف الطاهر بن عاشور الحرية؛ مع أنها داخلة وضرورية لحفظ الكليات الخمس اللواتي ذُكِرْنَ سلفا.

كما يُعْمِلُ الفقيه مكارم الأخلاق وقيم الاعتدال والسماحة ، والوسطية، و قاعدة التيسير و رفع الحرج ودفع الضرر والمشقة، لجلب المنافع ودرء المفاسد وحفظ المصالح.

3- استنباط الحكم عن طريق قواعد تعارض الأدلة:

لا يمكن ان يحصل التعارض والتناقض في كتاب ربنا و السنة الصحيحة لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام; لان الله تعالى قال: “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا” الاية. و إن بدا وظهر تعارض بين نصين، فان الفقيه المجتهد يلجأ إلى البحث في النسخ.

والنسخ هو رفع وإزالة حكم سابق ورد في نص سابق بحكم جديد ورد في نص لاحق. فيُعْمَلُ باللاحق شرطَ أن يكون النص الناسخ قويا أو مساويا للنص المنسوخ. ولا يدخل النسخ في العقائد والأخبار والفضائل والمحكم بينما يدخل في الفروع الفقهية.

والنسخ علم قائم بذاته أُفْرِدَتْ له مؤلفات وكتب.و في اللغة القانونية البرلمانية المعاصرة، نسمي هذا الأمر بقانون إلغاء؛ أي قانون يلغي (فهو مُلْغِي) قانونا آخرا (فهو مُلْغَى).

أما إذا تعذر معرفة النسخ، فإن الفقيه يلجأ في الحالة هذه إلى الجمع بين الدليلين المتعارضين شكلا وظاهرا؛ لكيلا ينطبق عليه قول الله تعالى: “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض” الآية.

وإذا تعذر الجمع، فإن عملية الترجيح بين الأدلة هي المعمول بها، فيؤخذ بالدليل الأقوى و هو الراجح، و يترك الأضعف وهو المرجوح. و قد يؤخذ أحيانا بالمرجوح ويترك الراجح لمصلحة معتبرة في الدين.

وبناء على ما سبق، يفهم القارئ الكريم أن الصناعة الفقهية هي مهمة بالغة التعقيد، و حرفة لا يتصدر لها إلا من حباه الله علما وفهما وحلما وعدلا.

و لا غرابة، فالصناعة الفقهية هي توقيع عن رب العالمين؛ و هي والله لمسؤولية خطيرة و أمانة ثقيلة.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...