تفاعلا مع قضية ضياء العوضي: القرآن والغذاء…التباسات التأويل

5 يونيو 2026

عبد الرحمن سين

كثر الحديث في وسائل التواصل الاجتماعي عن وفاة الدكتور المصري ضياء العوضي داخل غرفته في أحد فنادق مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة (في أبريل الماضي). وقد أثارت وفاته الكثير من الجدل حول ملابساتها، كما أعادت إلى الواجهة جدلاً عميقاً حول التغذية؛ خاصة وأن الأسابيع التي سبقت وفاته شهدت تصعيداً قانونياً كبيراً ضده في مصر بسبب آرائه الطبية، وتمثلت الإجراءات التي اتُّخِذت ضده في: الشطب النهائي من نقابة الأطباء، وإلغاء ترخيص مزاولة المهنة، وغلق عيادته، وتعرضه للملاحقة القضائية والإعلامية.

وما يهمني في قضيته -رحمه الله- هو إشكالية علاقة القرآن الكريم بالتغذية؛ حيث أرى انحرافاً جارفاً في تعامل بعض الأشخاص مع هذا الموضوع، من خلال تقديم استشارات ونصائح وتوجيهات يتم تأويلها من القرآن الكريم على أساس أنها حقائق علمية مطلقة، مما يثير صداماً حاداً مع المجتمع الطبي وأخصائيي الصحة وعلوم التغذية. والمشكلة الكبرى أن جمهوراً واسعاً يطمئن لهذه النصائح ويتبع تعاليمها بشكل حرفي ويقيني، واصلاً إلى حد التنازل عن وصفات الطب الحديث، والقدح في أسسه، ونَعْتِ المجتمع الطبي المعاصر بشتى النعوت السلبية التي تصل إلى اتهامه بالنفاق والمؤامرة.

ودون الخوض في تفاصيل القضايا المطروحة، لا بد من توجيه منهجي أرى أنه من الضروري استيعابه والعمل بمعانيه:

1. الوظيفة الأساسية للقرآن الكريم هي الهداية، وليس تقديم حقائق أو نظريات علمية عامة أو خاصة في مجالات الصحة والتغذية. وكل الإشارات العلمية المطروحة في النص القرآني ما هي إلا دعوة لاعتماد المنهج العلمي في الحياة، ورسم خطط بحثية لدراسة تلك القضايا بطريقة علمية تجريبية، والابتعاد عن التصلب في الآراء، وتجنب الخروج بقوانين حتمية بناءً على تفاسير خاطئة، تقبل مواد غذائية كاللحوم والألبان والقطاني والخضر والفواكه أو ترفضها بطريقة مختزلة. لاشك ان الغذاء أخذ مساحة كبيرة في القرآن الكريم و هذا يدعو للتعامل الجدي مع الموضوع وإعمال العقل لدراسة الغذاء في هذه المساحة الكبيرة وذلك لاستنباط التوجيهات والاحكام دون إدعاء أن التأويل والتفسير المتعدد قد يصل إلى مستوى القداسة والقيمة الدينية المطلقة حيث أن التفسير والتاويل هو جهد بشري ويحتاج للدقة و العلم و تبني نوع من النسبية في الفهم وإلا كيف نشرح تعدد فهوم المسلمين الاوائل في العديد من القضايا والمواضيع وأن كل خلاصة تاتى من مرجعية القرآن تزكي هذه المرجعية دون ان ترفع الفهم النسبي إلى مستوى القداسة وذلك أقرب إلى التوازن.

2. التحريم والتحليل في قضايا الغذاء مسألة مباشرة وواضحة في القرآن الكريم، خص بها أطعمة ومواد محددة تمكن المفسرون والعلماء منذ فجر الإسلام من ضبطها. وكل توجيه أو إشارة غير ثابتة علمياً أو قطعية دلالياً، تظل مجرد مساحة للتأويل والاستنتاج؛ ووحده “العلم المخبري” قادر على تأكيد نفعها أو ضررها أو رصد آثارها الجانبية -بشكل مؤقت أو دائم- بالاعتماد على أدوات العلم الحديث. ومن سوء حظ العالم العربي والإسلامي اليوم، الذي يعج بوعاظ التغذية، أنه يعاني تخلفاً علمياً وطبياً مقارنة بغيره.

3. لايمكن إختزال حياة الانسان في غذاءه في إقصاء تام للكثير من العوامل التي تؤثر على صحة وغنى الإنسان ومنها المناخية والطبيعية و النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الروحية وأن التعامل مع الغذاء بطريقة اختزالية و كأنه الصحة أو السعادة أو النجاح وفقط فهذا إعلان عن فقر معرفي و منهجي وجب التصدي له من طرف الحكماء و الأخصائيين في هذا المجال. بكلمة ليس الإنسان ما ياكل و لكن الإنسان هو أفكاره و معتقداته والإنسان هو سلوكه و تصرفاته و الإنسان هو موارده وإمكاناته والإنسان هو حركته و كدحه وتنقله والإنسان هو ثقافته وذهنيته والإنسان هو إعتداله أم إفراطه…الإنسان منظومة معقدة واهتمامه المفرط فقط الغذاء تخلف وإختزال للحياة.

4. ادعاء المؤامرة الطبية ليس مسألة دينية؛ فكل الشعوب والأمم قد تتعرض لمؤامرات محتملة من شركات ومختبرات عملاقة، ولا يمكن التحقق من ذلك إلا بتقديم الحجج العلمية الدامغة، وإجراء تحقيقات علمية وصحفية احترافية؛ كما أن المجتمعات الحرة تزخر بمناضلين إيكولوجيين من أطباء وغيرهم، يتصدون لألاعيب كارتيلات الشركات في هذا المجال.

5. الطعن في التوجيهات الطبية الحديثة، والاستغناء عن الأدوية الصيدلانية، والاكتفاء بالاعتماد على الأعشاب والمواد الطبيعية كبديل مطلق، ينطوي على مخاطرة صحية بالغة. ولا ينبغي للعاطفة الدينية أو الثقافة الثراتية أن تسيطر على المسلم لدرجة الاستسلام لوعاظ لا يملكون حججاً علمية، ويحولون تأويلاتهم الشخصية إلى حقائق دينية مقدسة وثابتة.

6. بعيداً عن منطق الحلال والحرام -الذي يحكم عدداً محدوداً جداً من الأطعمة وبشكل قطعي لا تأويل فيه- لا بد من تفعيل مبدأ النسبية، والتنوع، والإدراك العلمي لمكونات الأغذية، والآثار السلبية أو الإيجابية التي تنتجها على الأفراد والجماعات باختلاف جيناتهم وحالاتهم الصحية قبل إطلاق أحكام بالمنطق الفقهي لا المنطق النسبي العلمي.

7. لا تمثل الجزيرة العربية التي كانت مهد الرسالة، ولا أي جغرافية معاصرة، إلا بقعة محدودة من هذا العالم الفسيح، ولا يمكن تعميم ثقافتها المحلية وتوجيهاتها البيئية في مجال الصحة والتغذية على العالم بأكمله (مستثنياً بالطبع ما حُرِّم شرعاً بشكل ثابت وواضح)؛ فالكون يعج بما لا يمكن تصوره من الأطعمة والأغذية الطبيعية والمصنعة الصالحة لمختلف الشعوب بيئياً وصحياً.

ملاحظة: ساكتفي بالحديث عن القرآن الكريم و سأخصص مقالا ثانيا للسنة النبوية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...