النشر وصناعة الكتاب: قصة الوجه الحضاري التي لم ترو في مشروع الإمام عبد السلام الأسمر

7 مايو 2026

د. أسامة بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية

ما زلت أؤكد، ولن أملّ من التكرار، أن سيرة الإمام عبد السلام الأسمر، رضي الله عنه، ما تزال تخفي في ثناياها جوانب من مشروعه الحضاري لم تُقرأ بعد القراءة التي تستحقها، وأن الكثير من نصوصه تتضمن دلالات بالغة الأهمية لو أُعيد تأملها في سياقها الصحيح.

وكنت قد أثرت قضية الأوراد التي وظفها الإمام الأسمر لمريديه، وتحديدا تقسيمها إلى ثلاث مجموعات: ورد لـ”المتجردين”، وورد لـ”الطلبة والفقهاء والمشتغلين بتعليم العلم والنسيخة والنساخين”، وورد لـ”أصحاب الفلاحة والاشتغال”، وعقدت مبحثا عنونته بـ”حركة النسخ ومهنة الوِرَاقة بزاوية الإمام الأسمر” في كتابي “قُفة الصلاّح: قراءات جديدة في سيرة مجدد القرن العاشر الإمام عبد السلام الأسمر” (ص 146 وما بعدها)، في طبعته الثانية الصادرة عام 2023م عن مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية.

وإن كنت قد أثرت في هذا الكتاب أسئلة حول الأبعاد الاقتصادية والفكرية والاجتماعية في هذا التقسيم، إلا أن سؤال: لماذا يفرد الإمام الأسمر “المشتغلين بتعليم النسيخة” و”النساخين” بوِرد خاص؟ كان أكثرها ترددا في فكري. وباعتقادي أن هذا التقسيم يكشف عن جانب مهم ظل غائبا في صورة الزاوية الأسمرية كما استقرت في الوعي المتأخر، إذ الحديث هنا ليس فقط عن وجود نساخين وإنما عن “تعليم النسيخة” مما يوحي بوجود مهنة قائمة وتعليم منظم، وربما بيئة كاملة لصناعة الكتاب داخل الزاوية.

وفي هذا المبحث وقفت عند نصين وردا في سيرة الإمام، أولها أن له “أربعون كاتبا معتنون ومتجردون لتدوين ما يمليه في فنون الدين وعلومه”، وثانيها قول كبير كتبته الشيخ محمد بن عطية “اجتمع عندنا قبل موته ( يعني الإمام الأسمر) بزمن يسير أربع مجلدات كل واحد منها في نحو العشرين كراسة”.

أربعون كاتبا متجردون للتدوين داخل زاوية صوفية في القرن العاشر الهجري، أليس في هذا وحده ما يكفي لإعادة التفكير في طبيعة هذه المؤسسة؟

وأربعة مجلدات، ألا يعني ذلك أنها نخبة فكره وخلاصة علومه التي درسها في الزاوية؟ ووجود حركة تدوين على يد نخبة من أربعين كاتبا؟ ألا يكشف ـ من حيث لا نشعر ـ عن وعي بالأرشفة والتصنيف حتى استخلصوا، ما سميته بــ “أمالي الإمام”، من بين مجالسه ودروسه المختلفة.

الكثير جدا في ثنايا سيرة الإمام الأسمر مما يثير الانتباه، ومنها الحديث عن أن مكتبة الزاوية كانت تضم نحو خمسمائة مجلد – قبل أن يدمرها مدعي النبوة وحليف منظمة فرسان القديس يوحنا الشقي يحيى السويدي سنة 995هــ-، والسؤال: من كان يقف خلف هذا العدد؟ ومن الذي نسخ هذه الكتب؟ ومن الذي جلدها؟ ومن أحصاها؟ وكيف جرى تداولها داخل الزاوية؟

وتتصل كلمة “تعلم النسيخة” بنص آخر من كلام الإمام يحث فيه مريديه على مدارسة القرآن الكريم، يقول فيه وإن “لم تحفظوه فاقرأوه من النسخة”، مما يشير إلى وجود نُسخ متداولة من المصحف الشريف، وإلى نساخين على معرفة بتخصص الرسم القرآني، وإلى بيئة تجاوزت مجرد تعليم الألواح إلى التمهر في صناعة المصاحف.

يجب أن لا نقف عند تُهم التكلف والاختلاق ولِيَّ أعناق النصوص، فالحديث هنا واضح عن ازدهار لمهنة “الوراقة” خاصة إذا استحضرنا أن نسخ وتجليد وتصنيف هذه الأعداد: “500 مجلد” في المكتبة، و “أربعة مجلدات” من كلام الإمام، ونسخ عديدة للمصحف الشريف، لا يمكن أن يتم دون معرفة بالورق والأحبار والتجليد والخطوط، أي دون وجود بيئة اشتغال حقيقية على صناعة الكتاب.

إن نصوص الإمام مهمة جدا في هذه القضية، ففيها ما يدل على أن الزاوية كانت متابعة للحركة العلمية والنشر ولم تكن في عزلة عن المحيط العلمي العربي والإسلامي، فاستشهاد الإمام بكتب معاصريه، مثل السيوطي والشعراني والإمام زاده الحنفي، ورحلات بعض مريديه إلى القاهرة والإسكندرية والحجاز، وقراءتهم وصاياه على علماء تلك البلاد، كلها إشارات توحي بأن الزاوية كانت جزءا من شبكة علمية وثقافية أوسع مما نتصور.

هذا المبحث الذي دبجته في كتابي “قفة الصلاح” انبنى على عناية شيخنا الأستاذ الكبير أحمد القطعاني بقضية علاقات الإمام الأسمر بمعاصريه، ومنها علاقته بالإمام عبد الوهاب الشعراني، إذ لاحظ كثافة في حضور استشهاد الإمام بكتبه في رسائله ووصاياه، وقد وجد الجواب، كما أخبرنا في كتابه “القطب الأنور عبد السلام الأسمر” ، فيما رواه الشيخ عبد الرحمن المكي – تلميذ الإمام الأسمر – عن لقائه بالشعراني سنة 973هـ. وفي بعض المجالس الخاصة أفادني شيخي القطعاني بملاحظة تدل على متابعته لهذه القضية، تتمثل في ملاحظته تقارب موضوعات كتب الإمامين، ككتاب “العظمة في التحدث بالنعمة” للإمام الأسمر وكتاب “لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق” للإمام الشعراني.

كتبت هذا المقال انطلاقا من محاولة انتحال قام بها بعض من ينسبون أنفسهم إلى العلم، ويصدر اسمه بحرف “د” للدلالة على رتبته العلمية داخل جامعته، وقصدي أن هذا المبحث وكل ما أكتبه مباح لكل محب وطالب علم، شريطة أن يُنصف الفكرة وألا يُشوّه المقاصد، وأن ينطلق من أسئلة جادة تساعد في إعادة رسم الصورة الحضارية للإمام الأسمر.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...