الصين تبني حصنا اقتصاديا مع تصاعد التوترات العالمية

5 يونيو 2026

رشيد المباركي

ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الصين تحكم قبضتها على اقتصادها بشكل متزايد من خلال تقييد حركة الأموال والتكنولوجيا والكفاءات والشركات إلى الخارج. وتلزم القواعد الجديدة التي أعلنتها الحكومة الصينية الشركات الصينية الراغبة في الاستثمار في الخارج بإجراء مراجعات للأمن القومي. وتأتي هذه الإجراءات في أعقاب لوائح سابقة سمحت للسلطات بالتدخل عندما حاولت شركات أجنبية نقل سلاسل التوريد الخاصة بها خارج الصين.

وتعكس هذه السياسات مجتمعة جهود بكين لبناء ما يصفه بعض المحللين بـ”حصن اقتصادي” حول قاعدتها التكنولوجية والصناعية، في ظل تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وأوروبا. وبحسب الصحيفة، يعكس هذا التحول اتجاها عالميا أوسع نطاقا نحو الابتعاد عن مبادئ التجارة الحرة والسوق المفتوحة التي سادت العقود الأخيرة. وتولي حكومات الاقتصادات الكبرى أولوية متزايدة للأمن القومي والمرونة الاقتصادية على حساب العولمة. وقد دفعت المخاوف بشأن هيمنة الصين على التصنيع والتكنولوجيا والمواد الخام الحيوية الولايات المتحدة وأوروبا إلى فرض قيود على التجارة والاستثمار، في حين ردت الصين بترسانة من ضوابط التصدير والعقوبات التجارية والإجراءات الانتقامية.

وأظهرت بكين بالفعل استعدادها للتدخل في الأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود. فقد عرقلت استحواذا أجنبيا كبيرا على شركة صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وأصدرت تعليمات لمصافي النفط الصينية بعدم الامتثال لبعض العقوبات الأمريكية، وأمرت شركة أمنية مدعومة من الدولة بعدم التعاون مع محققي الاتحاد الأوروبي. وتشير هذه الإجراءات إلى موقف أكثر تصادمية تجاه الحكومات والشركات الغربية، في سعي الصين لحماية صناعاتها الاستراتيجية وتقليل تعرضها للضغوط الخارجية. ووفقا للصحيفة، يعد التركيز على الأمن القومي سمة أساسية في القواعد الجديدة. تتمتع السلطات الصينية الآن بصلاحيات أوسع لفحص الاستثمارات الخارجية، وتصنيفها إلى استثمارات مشجعة أو مقيدة أو محظورة، بل وإجبار الشركات على سحب استثماراتها إذا ما ظهرت مخاوف أمنية. يعتقد خبراء قانونيون أن أحد الأهداف هو منع رؤوس الأموال والملكية الفكرية والعمالة الماهرة من مغادرة القطاعات التي طورت فيها الصين ميزة تنافسية. كما تشعر الشركات الأجنبية العاملة في الصين بالقلق من أن التعريف الواسع للأمن القومي قد يؤثر على تبادل بيانات الأعمال مع الجهات التنظيمية والمحققين الأجانب.

قد تشكل هذه اللوائح تحديات للشركات الصينية التي شجعت على التوسع في الخارج خلال السنوات الأخيرة. فمع تباطؤ الاقتصاد المحلي الصيني ووصول الصادرات إلى مستويات قياسية، تتطلع العديد من الشركات إلى الخارج بحثا عن فرص النمو وسبل تجاوز الحواجز التجارية الخارجية. مع ذلك، تثير عملية المراجعة الجديدة حالة من عدم اليقين، وقد تبطئ الاستثمارات وعمليات الاستحواذ وبناء المصانع في الخارج. ورغم أن المسؤولين الصينيين يصفون هذه القواعد بأنها إنجازٌ هامٌ لإدارة الاستثمارات الخارجية، إلا أن الشركات تبدي قلقها إزاء الغموض الذي يكتنف الأنشطة التي قد تستدعي تدخل الحكومة.

ومع أن الصين ليست الوحيدة التي تراقب الاستثمارات الخارجية – فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيودا مماثلة في قطاعات حساسة كأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية – إلا أن نهج الصين أوسع وأشمل. إذ تعرف بكين الأمن القومي تعريفا أوسع من معظم الحكومات الغربية، ما يمنح السلطات صلاحيات أوسع للتدخل في الأنشطة الاقتصادية. ويرى الخبراء في هذه التطورات دليلا على إعادة هيكلة جوهرية للقواعد الاقتصادية العالمية، مدفوعة بتنافس القوى العظمى والتنافس التكنولوجي. وتسعى الصين، في مواجهة بيئة دولية أكثر تشتتا وتنافسا، إلى بناء أدوات لحماية مصالحها وتعزيز اكتفائها الذاتي الاقتصادي.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...