الجابري وطرابيشي: جدل العقل العربي بين إعادة البناء ونقد النقد

5 يونيو 2026

سليمة بن جلون

مثّلت المناظرة الفكرية التي دارت بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي إحدى أبرز المحطات في تاريخ الفكر العربي المعاصر، بل لعلها تُعد من أكثر السجالات المعرفية عمقا وتأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد تجاوز هذا الحوار النقدي حدود الاختلاف التأويلي للنصوص التراثية ليصبح نقاشًا جذريًا حول طبيعة العقل العربي، وآليات تشكله التاريخي، وشروط إمكان نهضته في الحاضر والمستقبل. ومن ثمّ لم يكن الخلاف بين المفكرين مجرد تباين في وجهات النظر، بل كان مواجهة بين مشروعين متمايزين في الرؤية والمنهج والرهانات الفكرية.

انطلق محمد عابد الجابري من مشروع طموح لإعادة بناء العقل العربي، مستندًا إلى مفهوم «القطيعة الإبستمولوجية» بوصفه أداة تحليلية تهدف إلى الكشف عن البنيات العميقة التي حكمت إنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا السياق، ميّز بين أنماط معرفية مختلفة، معتبرا أن التراث المشرقي انفتح بصورة واسعة على النزعات العرفانية والإشراقية والتأويلات الباطنية، في حين جسّد المجال المغربي الأندلسي، في نظره، نموذجًا أكثر التصاقًا بالعقل البرهاني وبالمنهج الاستدلالي الذي بلغ ذروته مع ابن رشد. ومن هذا المنطلق، رأى الجابري أن تجديد الفكر العربي يقتضي إعادة الاعتبار إلى التقليد البرهاني الرشدي بوصفه الأفق الأكثر قدرة على إنتاج عقلانية حديثة ومنفتحة على قيم النقد والبرهان.

غير أن جورج طرابيشي واجه هذه الأطروحة بنقد موسوعي واسع النطاق، كرس له سنوات طويلة من البحث والتحليل، ساعيًا إلى مراجعة الأسس المعرفية التي قام عليها المشروع الجابري. وقد اعتبر أن التقابل الحاد بين «مشرق عرفاني» و«مغرب برهاني» لا يجد ما يكفي من السند التاريخي والمعرفي في النصوص الأصلية، وأنه يقوم على اختزال مفرط لتعقيدات التراث الإسلامي وتنوع مساراته الفكرية. وانطلاقًا من قراءاته المقارنة، أكد طرابيشي أن الفضاء الثقافي العربي الإسلامي عرف تفاعلات متواصلة ومتشابكة بين مختلف مراكزه الفكرية، وأن الفلسفة الأندلسية نفسها لم تكن معزولة عن الميراث المشرقي، بل تشكلت في كثير من جوانبها عبر حوار عميق معه واستيعاب لمرجعياته النظرية.

وفي مقابل الانتقادات التي وُجهت إلى مفهوم القطيعة لدى الجابري، يؤكد المدافعون عن مشروعه أن هذا المفهوم لا ينبغي فهمه بوصفه وصفا تاريخيا حرفيا لمسار الثقافة العربية الإسلامية، وإنما باعتباره أداة منهجية ذات وظيفة نقدية واستشرافية. فالغرض من القطيعة، وفق هذا التأويل، لم يكن تمزيق التراث أو إلغاء أجزاء منه، وإنما إعادة ترتيب مكوناته وإبراز العناصر القادرة على الإسهام في بناء عقل عربي حديث. ومن ثمّ فإن التركيز على النموذج الرشدي لم يكن استبعادا لبقية الموروث الفكري، بقدر ما كان محاولة لاستخلاص الإمكانات العقلانية الكامنة فيه وتوظيفها في مشروع نهضوي معاصر.

تكشف هذه المواجهة الفكرية، في جوهرها، عن إشكالية مركزية ما تزال تؤرق الفكر العربي الحديث، وهي كيفية التعامل مع التراث بين منطق الانتقاء النقدي ومنطق الفهم التاريخي الشامل. فبين نزعة تسعى إلى إعادة بناء الماضي وفق حاجات الحاضر، وأخرى تدعو إلى استيعابه في تعقيده وتعدده قبل إصدار الأحكام عليه، تبلور أحد أكثر النقاشات ثراءً في الثقافة العربية المعاصرة. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لسجال الجابري وطرابيشي لا تكمن فقط في نتائجه النظرية، بل أيضًا في كونه أسهم في ترسيخ تقليد فكري نقدي جعل من مساءلة التراث ومراجعة المسلمات شرطًا أساسيًا لإنتاج معرفة عربية أكثر وعيًا بذاتها وأكثر قدرة على الانخراط في أسئلة الحداثة والتاريخ.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...