التحولات الجيوسياسية للسعودية: من تعويم الوهابية إلى الحرب الإيرانية

14 مايو 2026

آرام كيوان

مسألة الخليج ترتبط بشكل وثيق بالسعودية كونها لدولة الرائدة هناك، ومشكلات التحديث في المنطقة وفي الخليج خاصة، كون الخليج لم يكن ضمن ترتيبات سايكس بيكو ونتجت دوله جراء تفاعلات داخلية، فمثلًا المملكة العربية السعودية تشكلت بعد صراع قبلي بين الهاشميين والسعوديين.

في بدايات الحكم السعودي، لم يكن توحيد القبائل بمهمة سهلة إبان الصراع مع الهاشميين، الذي تلاه انخفاض تدريجي في إيرادات الحج منذ أواسط عشرينات حتى بداية ثلاثينات القرن المارضي، وتلاه حرب الأشهر الثلاثة مع اليمن (1934)، ولكن مع اكتشاف النفط بدأت الصورة تتغير باتجاه مختلف.

دخول العامل النفطي وموارد الطاقة زاد اهتمام البريطانيين (ومن ثم الأمريكيين) بدول الخليج بعد أن كانت تعتبرها صحراء منسية، وهم من وصفوا ابن سعود قبل اكتشاف النفط بأنه “قد أفلس”، لذلك آل اهتمامهم للدول المتقدمة اجتماعيًا في المنطقة.

تأسست السعودية (ودول الخليج ككل) كدول ائتلافات قبلية في شكلها السياسي، وما يعرف ب”الدولة الريعية” كشكل اقتصادي، أي الاعتماد على الفائض المالي من عوائد النفط وموارد الطاقة.

في الخمسينات مع صعود نجم مصر الناصرية في المنطقة، لم يدم التقارب المصري-السعودي كثيرًا، ودخل البلدان في صدام علني مع التدخل المصري في اليمن، هذا حذا بالسعودية إلى استثمار مواردها على ثلاثة مستويات: “الوهابية – الإعلام – شراء الأسلحة”.

تعويم الوهابية كان الرد الأيودولوجي المناسب على الناصرية، وعمليًا تزاوجت الوهابية مع القطبية، وأحد أبرز رموز هذا التزاوج كان محمد قطب (شقيق سيد قطب) بعد هجرته إلى السعودية وعمله مدرسًا في كلية شريعة، وألقى هذا التلاقح بين الوهابية والقطبية بظلاله على الحركات الإسلامية بشكل متفاوت، كحالة سليم شراب في غزة، أحد رموز الأصولية الإسلامية.

هذا لا يعني أنه تم استحداث الوهابية، ما جرى أنه تم تعويمها وإخراجها من حدود الجزيرة، ودشن هذا رسميًا في المؤتمر الإسلامي في مكة (1962) والذي تمخض عنه تأسيس “رابطة العالم الإسلامي”، التي بدورها أدانت إعدام سيد قطب في مصر عام 1966.

غير أن الوهابية لم تكن موجهة إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل السعودي أيضًا وأدت فيه دورًا وظيفيًا، فليس من الصحيح أن السعودية بقيت بمنأى عن التحولات الأيدولوجية في المنطقة، ولو كانت التأثيرات فيها أقل حدة من غيرها. وأشهر هذه التأثيرات كانت في حركة “الأمراء الأحرار” التي قادها الأمير طلال ومعه مثقف ناصري من خارج الأسرة السعودية اسمه عبد الله الطريقي، الذين تأثروا بموجة التأميمات التي قادها عبد الناصر، وطالبوا بتأميم كامل للنفط، وقاموا بتأسيس “أوبك”، وعلى المستوى السياسي بتحويل السعودية إلى “ملكية-برلمانية” ولكن بعد خلاف مع الملك انتهوا لاجئين لفترة من الزمن في مصر.

الوهابية أيضًا لعبت دورًا معكوسًا في الداخل، فعندما كانت هجرات العمل إلى الخليج لتحصيل تحرر مادي وظروف حياة أكثر آدمية، كان هناك آلاف السعوديين ممن هاجروا للدراسة في الولايات المتحدة وتأثروا بثقافتها، وأثناء وجودهم في السعودية كانت وجهتهم عمان للتخفيف من قيود الوهابيين الاجتماعية.

صعود الناصرية وتحالفها مع الاتحاد السوڤيتي أعطى للسعودية دورًا مركزيًا في المنطقة ضمن سياسة “الركيزتين” (Twin Pillars) لنيكسون، التي كان قوامها الاعتماد على قوتين إقليمتين لضبط المنطقة وهما إيران والسعودية، وسقطت هذه السياسة مع سقوط الشاه وصعود خميني في إيران.

بقيت السعودية في مكانها كلاعب إقليمي مؤثر ولكنه يتأثر أيضًا بصعود قوى إقليمية أخرى، منذ إيران خميني وعراق البعث وتركيا العثمانية الجديدة، وباستثناء الغزو العراقي للكويت (1991) وأثره على الاصطفافات العسكرية والالتزام اللفظي بشكل من “الوحدة العربية”، لم يكن هناك حدث ذو تأثير مركزي يمكن ذكره عند الحديث عن السعودية غير سوريا وما يسمى ب”الربيع” العربي، وحتى ما عرف لاحقًا ب”دول الاعتدال” لم تكن معسكرًا حقيقًا.

في بداية الحرب السورية، كان هناك إجماع خليجي-تركي على الإطاحة بالنظام السوردي بقيادة الرئيس بشار الأسد، ولكن صمود النظام السوري بدعم حلفائه لفترة طويلة انعكس سلبًا على الإجماع الخليجي، وترجم ذلك بالاقتتال الداخلي بين الميليشيات التي كانت تتلقى تمويلًا وتسليحًا من دول الخليج وتركيا، ومن ثم تكتلات مختلفة بين هذه الدول.

في المنتصف صعد الأمير محمد بن سلمان بين أعوام 2015-2017 منذ كان وزيرًا للدفاع حتى صار وليًا للعهد، والذي يحمل تصورات مختلفة للمنطقة فحجم الوهابية في أضيق أفق ممكن، وهي التي كانت قد بدأت تفقد فاعليتها منذ “برنامج المناصحة” في بداية الألفية، وتم تقليل القيود الاجتماعية وكذلك انخفض الاعتماد على الموارد الطبيعية (مع بقائها الركيزة الأساسية في الاقتصاد السعودي) في العملية الإنتاجية لصالح جلب استثمارات في قطاعات إنتاجية جديدة.

ما حدث هو أن السلطة القوية لولي العهد تقود تحديثًا من أعلى يؤدي إلى انحلال الائتلاف القبلي لصالح بناء الدولة الأمة الحديثة. هذا التحديث يقف على أرضية قوية بمخاطر أقل من تجارب سابقة في المنطقة (كحالة مصر) فلا هو مهدد بتدخلات خارجية ولا مواجهة مع “الصحوة”، ولكنه أقل أصالة من غيره لأنه يعتمد على البنى التقليدية للسلطة وليس على طبقة اجتماعية.

في هذا الوضع من توجه سلطوي جديد في السعودية والتخلص من الوهابية باتت التصدعات في الإجماع الخليجي تظهر إلى العلن وتمرد الصغير والكبير على قيادة السعودية لل”خليج الموحد”، خرج الصراع السعودي-القطري إلى الملأ وفضلت قطر الاصطفاف مع تركيا، ومن جانبها ذهبت الإمارات إلى ائتلافات إقليمية مستقلة عن السعودية في “الاتفاقيات الإبراهيمية”، وحتى مسألة اليمن فهي سوء إدارة خليجي أكثر منه تدخلًا إيرانيًا.

ولعل أبرز مظهر للخلافات العلنية كان دعوة الرئيس بشار الأسد إلى القمة العربية وزيارته للإمارات.

نرى إذن أن السعودية واقفة أمام تحديات الإقليمية عديدة: المسألة الفلسطينية والتطبيع، منازعة تركيا لها على زعامة العالم السني، التمردات الخليجية، مسألة اليمن، والتحدي الأبرز في الخليج الفارسي مع إيران.

ولا نجانب الصواب عندما نقول أن السعودية بقيادة بن سلمان انتهجت سياسة براغماتية غير أيدولوجية حتى هذه اللحظة في شتى المسائل الإقلية بعد فشل الحل العسكري مع اليمن.

قبل حرب إيران الحالية وصلت السعودية إلى تفاهمات مع إيران برعاية الصين، وجلبت استثمارات صينية كبيرة في مدينة نيوم وبادرت إلى القمة العربية-الصينية الأولى، واستقبلت الجولاني برحابة صدر رغم تفاهمها السابق مع بشار الأسد، في محاولة كما يبدو لمزاحمة تركيا على انتصارها في سوريا.

ولكن السعودية اليوم كما هو واضح لا تتدخل، وربما غير قادرة، على التدخل في التشكيل السياسي للدول، على نمط الإمارات والدعم السريع، أو تركيا وميليشيات الهمج الجولانية في سوريا، أو إيران وسائر محورها.

في هذا الوضع تحاول السعودية الوصول إلى تحالف أقوى، وكأولوية أولى وضعت سقف طموح هو حماية عسكرية كاملة من الولايات المتحدة الأمريكية على نمط حماية الولايات المتحدة لحلف الناتو، ولكن ترامب ند ذلك قرر خفض السقف إلى “أكبر صفقة سلاح في التاريخ”، فيما لم تنضم السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية وتمسكت بشرط إحياء مسار حل الدولتين لبدء الحوار.

البديل الثاني عند السعودية هو تشكيل “ناتو عربي” بالشراكة مع مصر، ولكن هذا لن يحدث لأسباب كثيرة.

في الحرب الدائرة بين إيران-الولايات المتحدة/إسرائيل، تغدو السعودية (ومعها الخليج) عالقة في مأزق إستراتيجي، لأن اعتداء إيران على السعودية، حتى لو اقتصر فقط على القواعد الأمريكية كما يقال، ولكنه يضع السعودية في موقف حرج باعتبارها دولة أراضيها ساحة وسيطة لحروب لا شأن لها بها.

الحرب في كل الحالات تضع السعودية أمام خيارات صعبة بين مهاجمة إيران والذي من شأنه أن يكلفها صراعًا طويل الأمد مع إيران البلد وليس النظام فقط، إضافة لخطر تأليب الأقلية الشيعية الكبيرة في الخليج، بينما عدم الرد يجعل أمنها بالكامل مرهونًا للولايات المتحدة.

الأفضل لمصائر المنطقة هو أن تجد السعودية وإيران صيغة تعايش سلمي وفق أسس واضحة وتفاهم ضمني على تقاسم مناطق نفوذ، لأن الفائض المالي وحده لا يصنع تصورًا إستراتيجيًا للمنطقة، والمزيد من التفكيك هو إضعاف لدول المنطقة برمتها وقدرتها على إنتاج حركات عصرية تستكمل الحداثة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...