الاختلاف ليس جريمة: نحو فهم إنساني وفلسفي للميول الجنسية والهوية الجنسية في مجتمعاتنا
كريمة العزيز
من خلال بحث ميداني أجريته على مجموعة من الشباب المسلمين من أصول مغربية المقيمين في بلجيكا، والذين يعرّفون أنفسهم بأن لديهم ميولاً جنسية أو هويات جنسية مختلفة عن السائد في مجتمعاتهم الأصلية، اكتشفت واقعاً إنسانياً معقداً لا يمكن اختزاله في الأحكام الجاهزة أو الشعارات الأخلاقية السريعة.
فالمعاناة الحقيقية التي يعيشها هؤلاء الأشخاص لا تنبع في معظم الحالات من ميولهم أو هوياتهم بحد ذاتها، بل من نظرة المجتمع إليهم ومن صعوبة إيجاد مكان آمن داخل الأسرة والجماعة التي ينتمون إليها. إن كثيراً منهم يعيشون حياة مزدوجة؛ حياة خاصة يحاولون فيها فهم ذواتهم والتصالح معها، وحياة أخرى يضطرون فيها إلى إخفاء جزء من حقيقتهم خوفاً من الرفض أو الإقصاء أو فقدان الروابط العائلية والاجتماعية.
وما يثير الانتباه في شهاداتهم ليس الرغبة في التمرد على المجتمع أو على الدين، بل الحاجة إلى الاعتراف بإنسانيتهم أولاً، وإلى العيش دون خوف أو إذلال أو عنف نفسي ومعنوي. ولعل أول ما يجب توضيحه في هذا النقاش هو التمييز بين المفاهيم التي يتم الخلط بينها باستمرار، فالهوية الجنسية ليست هي الميول الجنسي، والمثلية الجنسية ليست مرادفة للشذوذ الجنسي. فالميول الجنسي يتعلق بالانجذاب العاطفي أو الرومانسي أو الجنسي نحو الآخرين، بينما تشير الهوية الجنسية إلى الطريقة التي يدرك بها الفرد ذاته ويعرّف بها نفسه.
أما مصطلح الشذوذ فهو في الغالب توصيف أخلاقي أو اجتماعي يعكس موقفاً قيمياً أكثر مما يعكس حقيقة علمية أو نفسية. إن هذا الخلط المفاهيمي يساهم في إنتاج أحكام مسبقة تجعل الحوار مستحيلاً وتحوّل الاختلاف إلى مصدر للخوف والكراهية بدل أن يكون موضوعاً للفهم والنقاش العقلاني. وفي المجتمعات الإسلامية، تُعد الميول الجنسية المختلفة من أكثر القضايا حساسية لأنها ترتبط بموروث ديني وثقافي قوي، وغالباً ما يُنظر إلى أصحاب هذه الميول باعتبارهم خارجين عن الفطرة أو عن النظام الأخلاقي السائد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط سؤال الحلال والحرام، بل سؤال العدالة أيضاً.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى عادلاً ورحيماً، فكيف يمكن تفسير وجود أشخاص يؤكدون أنهم لم يختاروا ميولهم أو مشاعرهم بإرادة واعية؟ وهل ينسجم مفهوم العدالة الإلهية مع تعريضهم للنبذ والإهانة والاحتقار؟ وهل يصبح الإنسان أقل استحقاقاً للرحمة والاحترام لأنه مختلف عن الأغلبية؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف الطعن في الدين أو في الأحكام الفقهية، بل تهدف إلى مساءلة الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع المختلفين. فحتى في الحالات التي يعتبر فيها سلوك معين محرماً من منظور ديني، لا يترتب على ذلك سقوط الكرامة الإنسانية عن صاحبه أو جواز الاعتداء عليه أو تحقيره. وهنا تلتقي القيم الدينية العميقة مع فلسفة حقوق الإنسان في نقطة جوهرية هي أن الإنسان يمتلك قيمة وكرامة لا يجوز انتهاكها بسبب اختلافه.
وتقوم فلسفة حقوق الإنسان على مبدأ أساسي مفاده أن الكرامة ليست امتيازاً تمنحه الأغلبية لمن يشبهها، بل حق أصيل لكل إنسان بحكم إنسانيته. ومن هذا المنطلق فإن المجتمع العادل لا يُقاس بمدى احترامه للأغلبية فقط، بل بمدى قدرته على حماية الأقليات والفئات الهشة والمختلفة من الإقصاء والعنف والتمييز.
فالناس يختلفون في ألوانهم وأعراقهم ولغاتهم وأديانهم ومعتقداتهم وقدراتهم الجسدية والنفسية، كما يختلفون في تجاربهم الشخصية وفي رؤيتهم لأنفسهم وللعالم، وهذا التنوع ليس خللاً في المجتمع بل جزء من طبيعته. وإذا كنا نقبل الاختلاف الديني والثقافي والفكري، وإذا كنا ندافع عن حق الأشخاص ذوي الإعاقة أو ذوي الاحتياجات الخاصة في العيش بكرامة واحترام، فلماذا يصبح الاختلاف في الميول أو الهوية سبباً لسلب الإنسان حقه في الاحترام والأمان؟ إن القانون في الدول الحديثة لا يعاقب الأشخاص على مشاعرهم أو هوياتهم، وإنما على الأفعال التي تنتهك حقوق الآخرين.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا الشخص مختلفاً عن الأغلبية، بل ما إذا كان يعتدي على غيره أو يهدد حقوقهم وحرياتهم. أما عندما يتعلق الأمر بعلاقات قائمة على الرضا المتبادل بين بالغين راشدين، فإن النقاش يصبح أكثر تعقيداً ويستدعي التفكير الهادئ بعيداً عن الانفعالات والشعارات.
كثيراً ما يستند الرافضون للمثلية الجنسية إلى قصة قوم لوط باعتبارها دليلاً قاطعاً على التحريم، غير أن القراءة التأويلية للنصوص الدينية تظل مجالاً للاجتهاد والنقاش بين الباحثين والمفكرين. فهناك من يرى أن جوهر الإدانة في القصة يتعلق بالاعتداء والعنف والإكراه وانتهاك حرمة الضيف والفساد الاجتماعي، بينما يركز آخرون على اعتبار العلاقات المثلية في حد ذاتها محرمة.
لكن مهما كان الموقف الفقهي الذي يتبناه الفرد، فإن ذلك لا يبرر تحويل الخلاف الديني إلى مبرر للكراهية أو الإقصاء أو العنف ضد أشخاص يعيشون داخل المجتمع كمواطنين لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس القضاء على الاختلاف، لأن الاختلاف جزء من الطبيعة الإنسانية ومن التاريخ البشري، بل تعلم كيفية التعايش معه في إطار من الاحترام المتبادل والعدالة.
المجتمع الذي يسعى إلى تحقيق العدالة لا يطالب جميع أفراده بأن يكونوا نسخاً متطابقة من بعضهم البعض، بل يضمن لكل فرد الحق في أن يعيش بكرامة وأمان مهما كانت اختلافاته، ما دام يحترم القانون وحقوق الآخرين. إن الرحمة والعدل والحوار قيم أسمى من الوصم والإقصاء، وإن قوة المجتمعات لا تقاس بقدرتها على إسكات المختلفين، بل بقدرتها على احتضان التنوع الإنساني دون التخلي عن قيمها الأساسية. فالله الذي خلق البشر مختلفين لم يجعل الاختلاف في حد ذاته جريمة، وإنما جعل الظلم والاعتداء والإهانة جرائم أخلاقية وإنسانية تستحق الرفض، ولذلك فإن بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية يبدأ بالاعتراف بأن الكرامة حق للجميع، وأن الاختلاف لا يلغي إنسانية أحد.
التعليقات