إصدار.. الاختيار والمسؤولية في العالم الحديث

3 يونيو 2026

باهر سليمان

يطلب جاي إيتون من قارئه أن يتخيل نفسه وقد عاد إلى عصر بعيد من عصور التاريخ، فاختلط بأناس يفصل بينه وبينهم مئات السنين. سوف يرى الجبال نفسها والسماء نفسها والأشجار نفسها، لكنه سرعان ما يكتشف أن أولئك الناس لا يرون الأشياء التي يراها هو بالطريقة نفسها. فالعالم الخارجي قد يكون واحدا، أما العالم الداخلي الذي يمنح الأشياء معناها فمختلف أشد الاختلاف. وسوف يكتشف كذلك أن كثيرا مما يعده هو من البدهيات والمسلمات كان سيبدو لأولئك القوم غريبا أو مضحكا أو غير مفهوم، كما تبدو له بدوره كثير من أفكارهم. ومن هنا يفتح إيتون الباب أمام السؤال الذي يحكم الكتاب كله: إذا كانت كل أمة أسيرة مسلماتها، فما الذي يضمن أن تكون مسلمات عصرنا أقل وهما من مسلمات العصور الماضية؟

هذه النقطة هي مفتاح الكتاب كله. فإيتون لا يبدأ بمناقشة النتائج، بل يبدأ بمناقشة المقدمات. وهو لا يهاجم مظاهر الحضارة الحديثة قبل أن يسأل عن الأسس التي قامت عليها. ولذلك فإن القارئ لا يجد نفسه أمام نقد سياسي أو اقتصادي مباشر، بل أمام عملية تفكيك هادئة لمجموعة من الأفكار التي أصبح الإنسان المعاصر يعدها من قبيل البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان. ومن أهم هذه البديهيات فكرة التقدم.

فالتقدم، في نظر إيتون، لم يعد مجرد وصف لحركة التاريخ، بل تحول إلى عقيدة شبه دينية. فالإنسان الحديث يؤمن إيمانا راسخا بأن المستقبل أفضل من الماضي، وأن الحركة إلى الأمام في الزمن تعني بالضرورة حركة إلى الأعلى في القيمة. وهو إيمان لا يكاد أحد يتوقف لتبريره أو البرهنة عليه. ولذلك يلفت إيتون النظر إلى أن الإنسان المعاصر، وهو يسخر من يقينيات الأجيال السابقة، يعيش هو نفسه في ظل يقينيات لا تقل رسوخا عنها. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ لأنه لا يناقش تفاصيل المشروع الحداثي بقدر ما يناقش افتراضاته الأولى.

غير أن نقد التقدم ليس غاية الكتاب، بل هو المدخل إلى قضية أعمق. فالمسألة الحقيقية عند إيتون ليست أن الإنسان الحديث يبالغ في تقدير منجزاته، بل أنه غيَّر تعريفه لنفسه. فالإنسان التقليدي، كما يراه المؤلف، كان يفهم ذاته بوصفه كائنا ذا أصل متعالٍ وغاية متعالية. كان ينظر إلى حياته على أنها جزء من نظام كوني أكبر منه، ويرى أن وجوده لا يُفهم إلا في ضوء علاقته بالله والحقيقة والآخرة. أما الإنسان الحديث فقد أخذ ينظر إلى نفسه على نحو مختلف تماما. لقد أصبح في نظر نفسه حيوانا متطورا، نتاجا لسلسلة طويلة من المصادفات الطبيعية، وغاية وجوده الأساسية هي تحسين شروط بقائه وتعظيم منفعته وتوسيع نطاق سيطرته على البيئة المحيطة به.

ومن هذه النقلة في فهم الإنسان لنفسه تتفرع، في نظر إيتون، معظم أزمات العالم الحديث. فإذا كان الإنسان مجرد كائن بيولوجي ذكي، فلن يبقى ثمة معنى موضوعي للخير أو الجمال أو القداسة أو الحقيقة. وستتحول جميع القيم إلى وسائل نافعة أو غير نافعة، وإلى أدوات مؤقتة تخدم أغراضا مادية عابرة. وحينئذ يصبح النجاح مرادفا للقوة، ويصبح التقدم مرادفا للقدرة على السيطرة، ويغدو الإنسان أسيرا لعالم صنعه بنفسه ثم فقد القدرة على فهمه.

الدين عند إيتون لا يظهر بوصفه برنامجا اجتماعيا أو منظومة أخلاقية فحسب، بل بوصفه رؤية شاملة للوجود. فالكاتب لا يتعامل مع الدين باعتباره وسيلة لضبط السلوك أو حفظ النظام الاجتماعي، وإنما باعتباره الجواب عن السؤال الأول الذي بدونه تفقد جميع الأسئلة الأخرى معناها. ولهذا فإن الإسلام في كتابه ليس مجموعة أحكام أو شعائر، بل إطار كوني يضع الإنسان في موضعه الصحيح داخل الوجود.

ومع ذلك فإن فهم إيتون للدين لا يخلو من خصوصية واضحة. فهو يكتب من داخل المدرسة التقليدية التي تأثر فيها تأثرا عميقا برينيه غينون وفريثيوف شوان وغيرهما من رموز الفكر التقليدي في القرن العشرين. ومن هنا جاءت رؤيته للأديان الكبرى بوصفها تجليات متعددة لحقيقة واحدة أو لحكمة خالدة سابقة على التاريخ، وبالتالي وقع في فكرة وحدة الأديان، وهذه من أبشع أفكاره على الحقيقة.

فقد فهم أن الدين في جوهره ليس مجرد قانون أخلاقي ولا مجرد تفسير للعالم، وإنما هو تعريف للإنسان بنفسه. ولذلك فإن جميع انتقاداته للحداثة تنطلق من هذه النقطة تحديدا. إنه لا يعترض على التقنية لأنها تقنية، ولا على العلم لأنه علم، ولا على المؤسسات الحديثة لأنها حديثة، وإنما يعترض على التصور الذي يجعل الإنسان مركزا للوجود ومرجعه الأعلى في آن واحد.

ومن هنا أيضا ينبع نقده للفردانية الحديثة. فالحداثة وعدت الإنسان بالتحرر من كل سلطة تعلو عليه، لكنها انتهت، في رأيه، إلى وضعه تحت سلطان قوى أكثر خفاء وأشد نفوذا. فالفرد الذي تحرر من المرجعية الدينية والتقليد الاجتماعي وجد نفسه خاضعا للسوق، وللدعاية، وللرأي العام، وللرغبات المتقلبة التي لا تنتهي. ولذلك يرى إيتون أن الحرية الحديثة كثيرا ما تكون حرية شكلية تخفي وراءها أشكالا جديدة من التبعية.

إيتون يذكّر القارئ بأن الإنسان فانٍ لا محالة، وأن الحضارات نفسها فانية، وأن الأرض ذاتها ليست أبدية. ومن ثم فإن السؤال الحاسم ليس كم ستدوم حضارتنا، ولا متى ستنهار، بل كيف نحيا في أثناء ذلك. فالأرض ومن عليها في يد الله، والتاريخ يمضي وفق سنن لا يملك البشر تغيير جوهرها، وما يطلب من الإنسان ليس أن يتحكم في المصير الكوني، بل أن يؤدي الوظيفة التي خلق من أجلها.

وهذه الوظيفة هي لب الكتاب كله. فالإنسان، في التصور التقليدي الذي يدافع عنه المؤلف، لا يحقق إنسانيته بمجرد وجوده البيولوجي، بل بتحوله إلى رمز يعكس معنى يتجاوز فرديته العابرة. وهو لذلك يرفض الصورة الحديثة للإنسان بوصفه مجرد ذرة ضائعة في كون لا غاية له. فالإنسان، عنده، كائن يستطيع أن يمثل الحقيقة، وأن يشهد لها، وأن يجعل من حياته نفسها تعبيرا عن معنى يتجاوز حدود شخصه القصير العمر.

ولعل هنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب. فهو لا يقدم حلولا عملية للمشكلات السياسية والاقتصادية التي يناقشها الناس كل يوم، ولا يضع برنامجا للإصلاح الاجتماعي، ولا يرسم خريطة لمستقبل العالم. لكنه يؤدي وظيفة أعمق من ذلك كله. إنه يعيد طرح الأسئلة التي توقفت الحضارة الحديثة عن طرحها. وهو يذكّر القارئ بأن أزمة العصر ليست أزمة أنظمة أو مؤسسات فحسب، بل أزمة تصور للإنسان نفسه.

ومع ذلك فإن الكتاب ليس بمنأى عن النقد. فإيتون كثيرا ما يتحدث عن المجتمعات التقليدية بلهجة يغلب عليها التقدير والحنين، وقد يشعر بعض القراء أنه لا يمنح ما عرفته تلك المجتمعات من مظالم ونقائص القدر نفسه من الاهتمام الذي يمنحه لنقائص الحداثة. كما أن انتماءه إلى المدرسة التقليدية يجعله أحيانا أكثر ميلا إلى التأمل الميتافيزيقي منه إلى التحليل التاريخي الدقيق.

في نهاية المطاف يخرج القارئ من “سيد القصر” وهو يشعر أن الكتاب لم يكن يتحدث عن الحضارة الحديثة وحدها، ولا عن الغرب وحده، ولا حتى عن الدين وحده، بل عن الإنسان في جوهره. فكل صفحات الكتاب تعود، بطريقة أو بأخرى، إلى السؤال الأول الذي نسيه الإنسان المعاصر وهو منشغل بإعادة تشكيل العالم: من أنا؟ وما الذي يعنيه أن أكون إنسانا؟ ويبدو أن جاي إيتون أراد أن يقول إن الحضارة التي تنسى هذا السؤال قد تنجح في كل شيء إلا في أهم شيء؛ إذ قد تعرف كيف تغير العالم، لكنها تنسى كيف تعرف نفسها.

 

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...