إخفاقات الخطاب الديني في السياق الأوروبي

2020-03-12T13:29:24+01:00
2020-03-12T13:33:44+01:00
featuredمؤتمرات وندوات
منير بوحوت12 مارس 2020آخر تحديث : منذ 5 أشهر
إخفاقات الخطاب الديني في السياق الأوروبي
رابط مختصر

منير بوحوت ـ باحث مغربي حاصل على د رجة ماجستير من جامعة كوبنهاكن
مداخلتي على هامش الدورة العلمية للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة بأوسلو حول دور الإمام في ترشيد الخطاب الإسلامي في سياق أوروبي.

تحديدا بالعاصمة النرويجية أوسلو صباح يوم 7 مارس 2020، انعقدت أشغال الدورة العلمية التي نظمها المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة وذلك في إطار اهتمامات المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة بالشؤون الدينية لمسلمي أوروبا عموما، ولقد أولى المجلس عناية خاصة لموضوع تجديد الخطاب الديني الإسلامي وسبل ترشيده، وعمل منذ تأسيسه على إيجاد أجوبة لجملة التحديات الثقافية والاجتماعية التي يطرحها السياق الأوروبي على مسلمي أوروبا، حرصا منه على تعزيز قيم العيش المشترك داخل المجتمعات الأوربية.

من هذا المنطلق، حرص المجلس على إشراك أكبر قدر من الباحثين مسلمين وأوروبيين، لمناقشة هذا الموضوع الهام في هذه الدورة المباركة، والوقوف على فهم خصائص الخطاب الديني ومعرفة مميزاته، واستشراف آفاقه، والمساهمة في ترشيد مساراته في السياق الأوروبي.

ولقد أعددت هذه الكلمة مشاركة مني في إثراء جوانب النقاش مع ثلة من السادة الدكاترة، المفكرين، الأكاديميين الأئمة، الوعاظ الذين حضروا من مختلف الدول الإسكندنافية، وذلك محاولة منا لتوصيف واقع الإخفاقات التي يتميز بها الخطاب الإسلامي المنجز في أوروبا:
ــــــــــــــــ

أصبح الحديث عن الإمامة أو الأئمة يكتسي أهمية بالغة في الأدبيات الإعلامية، السياسية والأكاديمية الغربية، لقد اصبح الموضوع يكتسي جدة وراهنية على غير المعتاد، فعلى غرار المكانة الدينية التي يتبوؤها البابوات ضمن المجتمع المسيحي المؤمن ضمن تراتبية السلطة الدينية، أصبح ينظر الى الإمام بالمنظار نفسه ليبوأ نفس المكانة، لكن هل يرقى فعلا مستوى الإمامة بالغرب ليكون في مستوى التطلعات والقيام بالمهام المستجدة المنوطة بها؟

على خلاف لما هو مبوب في كتب الفقه، ولما أرساه التداول الشرعي و التاريخي على حد سواء من حديث عن أدوار تقليدية للإمامة، من أداء الصلوات، الوعظ والإرشاد والرعاية الروحية، أصبحت الإمامة في الغرب تعرف انزياحا على مستوى المفهوم بما يقتضيه الوجود المسلم داخل المجتمعات الغربية الليبيرالية، كما تشهد حراكا على مستوى خطابها الديني، وعلى مستوى علاقاتها البينية مع مؤسسات الدولة والمجتمع، ولعل هذا الإنتقال هو ٱحد تجليات الإنتقال الذي يعنيه الدكتور الدنماركي Jørgen B. Simonsen الخبير بالإسلام في الغرب، من مفهوم “الإسلام الدفاعي” الذي مثله الجيل الأول الى مفهوم “الإسلام الهجومي” الذي مثلته الأجيال اللاحقة.

إذا كانت الحكومات الغربية مع البدايات الأولى للهجرة لم تعر كبير اهتمام لتنظيم شؤون المسلمين التعبدية لا سيما وهم أقلية يغلب عليهم صفة “عمال ضيوف” ، فلعلها أوكلت مسؤولية ذلك إلى الحكومات الإسلامية فيما سمي ب”إسلام البعثات أو “إسلام السفارات”، فكل دولة تسهر على استقدام إمام من البلد الأم باعتباره حامي لهوية ودين هذه الجاليات، وعموما فنحن نتحدث هنا عن” إسلام إثني” و” أئمة إثنيين” و”أثننة الإسلام” “ethnicization of islam”, حيث الأئمة المستقدمون عبارة عن قنوات لإعادة إنتاج نسخ متكررة لخطابات إسلامية، وطنية، تقليدية خارج حدوده كما هو متواجد بالدول الإسلامية مثل المغرب، تركيا وباكستان)(Jørgen B. Islam i Danmark)، وغالبا ما كان اسلام البعثات كما يشيرجونتان لورانس في كتابه “تحرير مسلمي أوروبا: دور الدولة في اندماج الأقليات” ، عبارة عن تأكيد لروابط الهوية والدين بالبلد الأم و تحصين الجاليات المسلمة من سطوة التدين العابر للحدود الذي استغل واقع العولمة وثورة الوسائط الرقمية ، أومن غيره من أصناف التدين الحركي العنيف.

إلا أنه على حين غفلة من أهل الإختصاص في تأطير الشأن الديني بالغرب بالمواصفات المطلوبة بما يناسب حجم التحديات التي ينوء بحملها كل جيل وما يحمله السياق العالمي من تحولات، فُتح الباب على مصراعيه لتشكلات كاذبة على مستوى الخطابات الدينية تؤسس يوما بعد يوم لتقاطبات فكرية وهمية متشظية، ناهيك عن مظاهر تدينية مغشوشة يحركها منطق العادات المتوارثة والمستصحبة من البلاد الأصلية، بعيدا عن روح الدين، وسمو رسالته، ونبل خطابه.

الخطاب الإسلامي المعجِز هو الوحدة القياسية والخطاب الملهم لغيره من الخطابات الإسلامية.

يقسم بعض المفكرين المعاصرين الخطاب الإسلامي إلى خطابين: خطاب معجز وآخر منجز، فإذا كان الخطاب المعجز يعد بمثابة الوحدة القياسية، فذلك لأنه يعتبرخطابا مؤسِّسا، و يجسده مصطلح “الدين” بمعنى الوحي الإلاهي كتابا وسنة بما يتسم به من خصائص الخلود، الإطلاق، الكمال، الشمولية والصلاحية لكل زمان ومكان…، أما الخطاب الإسلامي المنجز هو ذلك الخطاب الذي تنتجه سلطة دينية ضمن تراتبية دينية قائمة (فقهاء، علماء، أئمة، وعاظ. )، والذي يتخذ مصدر إلهام له الخطاب المؤسِّس، وذلك بغية تحويل لحقائق الدين الخالدة وتنزيلها في سياقات تاريخية محددة، و تنطلق عملية التحويل هذه في شكل تمثلات بشرية ناقصة في محاولات للإقتراب من نصوص الوحي فهما واستيعابا، وتتجسد في شكل تدينات تتأثرفي الوقت ذاته بتلك السياقات الإجتماعية والسياسية و اللحظات التاريخية القائمة، فضلا عن تأثرها بفهم المنتِج (المخاطِب) وخصوصيات الذي يستهدفه المنتوج (المخاطَب)، وهذا الخطاب المنجز يظل كسبا بشريا ناقصا، نسبيا، ملهما في السياق الذي أنتج فيه، وغالبا ما يشكّل عبئا ومصدر إخفاق في سياقات وأزمنة أخرى حينما يتم تعسفا الإصرار على تنزيله فيها.

الملامح العامة للخطابات الإسلامية بالغرب.

إذا أخضعنا الكثير من الخطابات الإسلامية الرائجة بالغرب للفحص والتقويم رجوعا الى الوحدة القياسية التي هي الخطاب الإسلامي المؤسِّس، فإننا نقف أمام مجموعة من الخصائص التي تميز هذه الخطابات، مما يجعلها تبدو متنكرة للخطاب المؤسّس، وبتعبير آخر إن الثقة الزائدة في (الخطابات المنجزة)، يؤدي إلى وضع سياجات وحجب أمام إدراك القبم الخالدة للمتن الأصلي(الوحي)، وهكذا تحاصَر المعاني والدلالات الحقيقية للخطاب الملهم، والأسوأ في الأمر هو نسبة خصائص الخطاب الإلاهي المؤسِّس للخطاب المؤسَّس. وفي مايلي جملة من هذه الخصائص”:

1- تتميزكثير من هذه الخطابات الإسلامية، بكونها لا تراعي ولا تلبي احتياجات الوجود المسلم في السياقات الغربية الليبرالية العلمانية.

2- كثير من هذه الخطابات تستغرقها مشكلات الشرق وهمومه و تحركها مجموعة من الأحداث التاريخية التي تشكل العقل الجمعي للمسلمين في علاقتهم بالغرب.

3- هذه الخطابات الإسلامية في كثير من الحالات لا تلبي احتياجات المرحلة الراهنة، ولا تتوجه إلى فئة الشباب، ولا تنشغل بتاتا بقضايا الإندماج، المواطنة، الهوية، التطرف، الإجرام.

4- كثير من الخطابات الإسلامية لا تلتفت إلى نسج علاقات بينية مع غير المسلمين، ولا يضطلع فيها الإمام (الإمام المحلي غير المرئي/ سولين جوانو) بدور المحاور الديني لا على المستوى المحلي ولا الوطني، كما لا يسهم في إدارة النقاش العمومي في القضايا الإجتماعية والقانونية المتداولة حتى يعرف مدركات الغربيين عن المسلمين، ويتعرف هؤلاء الغربيون بدورهم عن هذا الوجود المسلم الذي يعتقد أنه يهدد هويته القومية.

5- كثير من هذه الخطابات الإسلامية تصدر عن أئمة هواة يغلب عليهم وصف ال “Bricoleur” ولا يتوفر فيهم شرط الإختصاص، وأحيانا تشكل إدارة المسجد غير المؤهلة علميا مثبطا أمام أداء خطاب إسلامي ناجح وناجع.

6- بعض الخطابات الإسلامية تصدر عن أئمة أتباع لحركات وتيارات يحركها مخيال جمعي، مفاده أن الغرب عدو أزلي للإسلام، وغالبا ما تكون هذه الخطابات مرتهنة لقراءات تاريخية وتقسيمات فقهية منتهية الصلاحية (دار الإسلام، دار الحرب) متناسية أن الغرب والشرق أصبحا يتداخلان معا، فبتعبير أحد الباحثين: إذا كان من قدر الغرب أن يهاجر المسلمون إليه للإستقرار فيه، فإنه من قدر الشرق أنه يعرف هجرة أفكار الغرب إليه.

7- الإرتهان للمذهبية الواحدة يجعل كثيرا من الخطابات الإسلامية في السياقات الأروبية لا تفي بحاجات المسلم، وهنا ينادي بعض الفاعلين في الساحة الغربية (طارق أوربرو مثلا) بفتح المجال أمام اعتماد مبدأ “التخير” أو “التلفيق”.

8- تفتقد كثير من الخطابات الإسلامية لآليات اشتغال ، إمكانات ومداخل جديدة بما يجعل من الإسلام مرة أخرى قوة اقتراحية كونية، ومشروعا ربانيا لرحمة العالمين.

9- تأثر الخطابات الإسلامية بظاهرة “الإسلاموفوبيا” Islamofobie و “الأورابيا” Eurabia، أكسبها صفة “المدافِع”، عن التهم والشبهات التي تلصق بالإسلام والمسلمين، بدل الإهتمام و الإشتغال بقضايا أعمق وأرحب تجعل من الخطاب الإسلامي خطابا عالميا، انسانيا، كونيا بإبراز أبعاده العلمية، العملية، الإنسانية والإحسانية، والجمالية ، والإستثمارفي منظومة القيم المشتركة التي تجمع المسلمين بغيرهم في وئام وانسجام تحت سقف الأسرة الإنسانية الممتدة.

10- لا يزال يغلب على بعض الخطابات الإسلامية بالغرب طابع الإثنية “Ethnicization of Islam” ، وهذا الأمر وإن كان مطلوبا في إبانه وكرسه الجيل الأول لحفظ الهوية الدينية، الثقافية والوطنية لأبنائهم، فإنه فشل في تحقيق الإندماج داخل الأوطان الجديدة بحكم الإنغلاق على الذات خشية الذوبان في المجتمعات الغربية، وعدم انسجامه مع متطلبات جيل الشباب.

11- في ظل فشل كثير من سياسات الحكومات الغربية في تحقيق الإندماج، وفشل الإسلام الإثني والإسلام السياسي نشأت خطابات إسلامية معولمة متطرفة neo-fundamentalisme تقطع علاقاتها مع دول الآباء ودول الإقامة لا من حيث ولاءاتها للدين ولا للوطن، و تؤمن بدلا من ذلك بهوية دينية عالمية عابرة للحدود، وباسم هذه الخطابات تقترف في أغلب الأحوال عمليات تفجيرية في حق أوطانها نتيجة لأزمة الهوية: ماهو ديني؟ أين وطني؟

12- بعض الخطابات الإسلامية في الغرب مزدوجة ما بين العلن والسر، ففي السر تدعو الى الخيانة، الغش، والتحايل على القوانين، وتطبيق الحدود…. وأمام الكاميرات تدعي الإندماج والمواطنة (حالة الدنمارك في البرنامج الوثائقي بعيون كاميرا خفية، وكاميرا تلفزية عمومية بعنوان: (المساجد وراء الستار Moskeerne bag Sløret 2016).

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.