وجود مقاتلات مصرية في الإمارات يسلط الضوء على التنسيق العسكري بين البلدين
سعيد الزياني ـ دين بريس
يثير الإعلان عن تفقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان “مفرزة (وحدة) المقاتلات المصرية المتمركزة في دولة الإمارات” أسئلة حول دلالات الخطوة وحدودها العسكرية والسياسية، خاصة أنها المرة الأولى التي تكشف فيها أبوظبي رسميا عن وجود مقاتلات مصرية على أراضيها، في لحظة إقليمية شديدة التوتر.
وذكرت وكالة أنباء الإمارات أن الزيارة هدفت إلى الاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول عدد الطائرات أو طبيعة المهمة أو تاريخ انتشارها.
جاء الإعلان متزامنا مع زيارة السيسي إلى أبوظبي ولقائه محمد بن زايد، حيث تناولت المباحثات تطورات الأوضاع الإقليمية وتداعياتها على الأمن والاستقرار، وهو ما جعل بعض القراءات تربط ظهور هذه الوحدة المصرية بالسياق الأمني المضطرب في الخليج، خصوصا في ظل التصعيد المرتبط بإيران ومضيق هرمز وأمن المنشآت الحيوية.
ويمكن ملاحظة أن البيان الرسمي الإماراتي أبقى الأمر داخل إطار الجاهزية والتعاون العسكري، ولم يربطه صراحة بأي عملية قتالية أو اصطفاف مباشر في مواجهة طرف إقليمي.
وتتعامل القراءة الرسمية والمؤيدة للخطوة معها باعتبارها امتدادا طبيعيا للعلاقات العسكرية الوثيقة بين مصر والإمارات، فالدولتان راكمتا خلال السنوات الماضية مستوى متقدما من التنسيق السياسي والأمني، وشاركتا في تدريبات ومناورات مشتركة، كما أن وجود وحدة جوية مصرية في دولة حليفة يمكن تفسيره، من هذه الزاوية، باعتباره إجراء تعاونيا يهدف إلى رفع الجاهزية وتبادل الخبرات وتعزيز الردع الإقليمي في مواجهة بيئة أمنية متحركة.
وترى هذه القراءة أن الإعلان لا يعني بالضرورة استعداد مصر لخوض حرب بالوكالة، وإنما يعكس قدرة القاهرة على إسناد حلفائها ضمن حدود سياسية وعسكرية مضبوطة.
ومن جهة أخرى، تفتح القراءات الناقدة الباب أمام أسئلة جوهرية حول توقيت الإعلان وطبيعة الرسالة التي يراد تمريرها، إذ اعتادت مصر، منذ عقود، تقديم عقيدتها العسكرية بوصفها عقيدة دفاعية تقوم على حماية الحدود والمجال الحيوي المباشر، مع تجنب الانخراط في حروب خارجية لا تستند إلى غطاء واضح من الشرعية الدولية، أو إلى ارتباط مباشر بالأمن القومي المصري.
ويرى منتقدون أن الإعلان عن وحدة لمقاتلات مصرية في الإمارات، في سياق إقليمي متوتر وحرب قابلة للاتساع، قد يفتح المجال أمام قراءات تتحدث عن تغير محتمل في حدود الحركة العسكرية المصرية خارج أراضيها، خاصة إذا لم تصدر توضيحات رسمية تحدد طبيعة المهمة ومدتها وسقفها العملياتي.
ولا تقف التساؤلات عند حدود الانتشار العسكري خارج الأراضي المصرية، وتمتد إلى ترتيب الأولويات الاستراتيجية للقاهرة، فمصر تواجه تحديات أمنية مباشرة في محيطها القريب، من غزة وسيناء إلى ليبيا والسودان والبحر الأحمر، وهو ما يجعل أي حضور عسكري موسع في الخليج بحاجة إلى تقدير واضح للكلفة والمردود، ومن هذا المنظور، يرى منتقدون أن التنسيق مع الحلفاء الخليجيين يجب ألا يتحول إلى عامل استنزاف للقوة العسكرية المصرية، أو إلى مدخل لإقحامها في صراعات لا تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، خاصة في ظل غياب معطيات رسمية دقيقة حول طبيعة المهمة ومدتها وحدودها العملياتية.
وتستند بعض القراءات العسكرية إلى الصور المنشورة، التي أظهرت مقاتلات تحمل العلم المصري، وذهبت مواقع متخصصة إلى أنها من طراز “رافال”، وهو ما منح الموضوع بعدا تقنيا إضافيا، بالنظر إلى أن هذه المقاتلات تمثل إحدى أهم القدرات الحديثة في سلاح الجو المصري، إلا أن المعطيات المتاحة علنا لا تسمح بالجزم بعدد الطائرات أو مدة انتشارها أو قواعد الاشتباك المعتمدة، مما يجعل أي تقدير لحجم المفرزة أو دورها العملي قراءة تحليلية مشروطة بصدور توضيح رسمي مصري أو إماراتي أكثر تفصيلا.
وتقتضي القراءة المتوازنة الفصل بين الواقعة الثابتة والتأويل السياسي، فالواقعة المؤكدة هي وجود مفرزة مقاتلات مصرية في الإمارات وتفقدها علنا من طرف الرئيسين، أما القول إن مصر دخلت عمليا في حرب بالوكالة أو إن عقيدتها العسكرية تغيرت جذريا، فيبقى استنتاجا يحتاج إلى معطيات إضافية تتصل بطبيعة المهمة وقواعد الاشتباك ومدة الانتشار والقرار السياسي الذي يحكمها، ومع ذلك فإن الإعلان العلني عن هذا الوجود العسكري في لحظة إقليمية مشحونة يكفي لفتح نقاش مشروع حول حدود الدور المصري في الخليج، وما إذا كانت القاهرة تتحرك في إطار تعاون دفاعي محسوب، أو ضمن إعادة تموضع أوسع تفرضها التحالفات والضغوط الاقتصادية والسياسية.
لا يمكن حصر وجود مقاتلات مصرية في الإمارات ضمن قراءة واحدة، فهي عند أنصارها تعبير عن عمق الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وأبوظبي، وعن قدرة مصر على الحضور في معادلات الأمن العربي، بينما يراها منتقدوها مؤشرا مقلقا على احتمال توسع الدور العسكري المصري خارج حدوده التقليدية، بما يتجاوز نهج التحفظ الذي طبع حركة الجيش المصري بعد كامب ديفيد.
وبين هاتين القراءتين، يبقى التوضيح الرسمي المصري عاملا مهما لوضع هذا الانتشار في سياقه الصحيح، باعتباره جزء من ترتيبات التعاون الدفاعي مع دولة شقيقة، ومن سياسة القاهرة في دعم الأمن العربي دون التفريط في ثوابتها العسكرية، فمصر، بحكم وزنها وخبرتها، تظل حريصة على أن تكون تحركاتها الخارجية منضبطة لمصالحها العليا ولحسابات الاستقرار الإقليمي.
وجاء بيان وزارة الخارجية المصرية، عقب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات، ليمنح الإعلان عن وجود مقاتلات مصرية خارج الأراضي المصرية بعدا سياسيا أكثر وضوحا، إذ أدانت القاهرة بأشد العبارات الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت أراضي دولة الإمارات، وجددت تضامنها الكامل مع أبوظبي ودعمها لكل الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها واستقرارها، بما يضع هذا الحضور العسكري المصري في إطار موقف سياسي معلن يقوم على مساندة دولة شقيقة في مواجهة أي تهديد يمس سيادتها وأمنها.
التعليقات