هوس الإمبريالية بيد مارادونا وبقفزة النصيري التاريخية
علي مزيان
شكلت كأس أفريقيا الأخيرة بالمغرب فرصة لتصفية الحسابات، لأن كرة القدم ليست مجالا للهو، للإلهاء، بل هي رؤية للعالم، للتقسيم الرأسمالي للعالم، من هنا نفهم الهوس الغربي بوصول المغرب لنصف النهائي بعد أن أخرج كبارها، لمكان محظور خاص بأوروبا وحدها والتي قبلت على مضض أن تكون أمريكا الجنوبية ضمنها، لكن بشروط أوروبا، تلك الشروط في الرياضة تشبه الشأن الثقافي، كتب طلال أسد في جينيالوجيا الدين أن علم الإجتماع والأنثروبولوجيا قد تأسسا لتحدد الإمبريالية ملامح الأمم الخاضعة لها، أن تساعدها على الانضمام إلى الحضارة الحديثة (أي الغربية) عن طريق (الدمج)، و(الإقناع)… هذا الحديث الإمبريالي عن (الدمج) يفترض على غرار الحديث المعاصر عن (التلاقح) فكرة وجود ثقافة أصلية نقية تتصل بغيرها لخلق هوية تاريخية جديدة ناشئة أشد تقدمية (ص313).
لهذا السبب لم يكن مارادونا لا عبا عاديا، لقد اقترف مارادونا خطيئة أن يندد بالأشياء التي يأمر النظام بالصمت عنها، لقد اقترف جريمة اللعب الأعسر، وهو ما يسميه معجم لاروس الصغير المصور “الأيسر”، ولكنه يعني أيضا عمل عكس ما يتوجب فعله كما عرفه إدواردو غاليانو في رائعته كرة القدم بين الشمس والظل (ص293).
عن لقطته الأشهر في تاريخ كرة القدم، كان دييغو مارادونا، فيما يقدمه المخرج الكبير إيمير كوستاريكا، إنسانا يحس برغبة شديدة في الثأر لحظة توجيهه الكرة نحو مرمى إنكلترا خلال مباراة كأس العالم عام 1986، ليس هو فحسب، بل السبعة عشر لاعبا الذين كانوا يقفون خلفه في تلك اللحظة، أولئك اللاعبون الذين قدموا من أجل إعادة الكرامة لكل الناس المهانين لسنين وسنين، والذين كانوا بانتظار لحظة الثأر هذه.
إنه في تلك اللحظات القليلة والحاسمة، لم يكن يوجه الكرة نحو الهدف فحسب، إنما هدّفها نحو مارغريت ثاتشر، رونالد ريغان، بريطانيا العظمى والملكة إليزابيث الثانية والأمير تشارلز، البابا جان بول الثاني، وطالما كرة القدم هي لعبة تخييلية، فيمكننا عندئذ أن ندرج اسم جورج بوش الأب والإبن إلى القائمة… بل أضيف أكثر من هذا، كانت طلقة في وجه النظام الرأسمالي برمته، بمصانعه وأسواقه وصحافته ومدارسه وسجونه ومخافره وثكناته العسكرية.
قفزة النصيري تشبه يد مارادونا، وهوس الإمبريالية بتلك اليد يشبه هوسها بقفزة النصيري التاريخية، برقصة بوفال مع والدته (التي صاحبتها انتقادات أبوية بطريركية رجعية) التي أكدت أننا مجتمعات أمومية ليست أبوية كما ذهبت إلى ذلك أهم النقودات للنظرية الفرويدية، بوفال الذي تمسك بالمغرب كما تمسك به زياش وحكيمي وغيره من أبناء المهجر بهويتهم والذين خاضوا معركة تشبه معركة نيوغي واثيونغو (كما في كتابه الكتاب في السياسة) لمنع أن يحدث للعقل الافريقي ما تخضع له مواد أفريقيا الخامة، تلك الرحلة التي يسافر من خلالها الطفل ليتعرف على ذاته من خلال لندن وباريس، في الأخير لم تنتج أفريقيا شيكسبير ولا موليير، كما لم تنتج صناعات محلية بعد عوة المواد الخامة في شكل صناعات ومنتجات استهلاكية.
هذا التشويش العقلي يعتبره وا ثيونغو بداية لكل تشوهات ذواتنا، وهذا التشويه لم يحدث بل حدث العكس، قوة كروية نافست الدول الصناعية الكبرى في أحد أهم ميادينها، ولهذا السبب تخاض ضد المغرب هذه الحرب الإعلامية والتي تجندت لها أذرع أوروبا ومخبروها المحليون في المنطقة كذلك كضباع تلهث وراء جثة، لكن هذه الجثة صادف أن تكون أسدا يدافع عن الجنوب كما فعل مارادونا سابقا وجورج ويا وسقراط وباقي الكبار زمن الأقزام.
التعليقات