هل يمكن بناء وحدةٍ عربية في حقبة استهداف الأوطان؟
د. محمد بشاري
في زمنٍ تُقاس فيه المواقف بآثارها لا بشعاراتها، يطفو سؤالٌ مُربك على سطح الوعي العربي: هل ما زال ممكنًا الحديث عن وحدةٍ عربية، بينما تُعاد صياغة البوصلة على نحوٍ يجعل استهداف بعض الأوطان تفصيلًا يمكن تبريره، بل أحيانًا تسويقه؟
الوقائع، في صلابتها، لا تحتمل كثير تأويل. فحين لا تتجاوز نسبة ما يصل من الصواريخ إلى إسرائيل 15%، بينما تتوزّع 85% من آثارها على الجغرافيا العربية، ويصيب جزءٌ معتبر منها دول الخليج، فإن المسألة لم تعد رواية تُروى، بل حقيقة تُرى. هنا يسقط الاختبار الأكبر: هل نقيس الأمور بنتائجها، أم بانتماء من أطلقها؟
لقد نشأ حلم الوحدة العربية على فكرةٍ بسيطة وعميقة: أن الجغرافيا التي تجمع لا يجوز أن تتحول إلى ساحات متقابلة، وأن المصالح المشتركة أسبق من الاصطفافات الطارئة. غير أن هذا المعنى يتآكل اليوم تحت ضغط خطابٍ يُعيد ترتيب الأولويات، فيجعل من أي مواجهة مع إسرائيل مبررًا كافيًا لتجاوز كل ما سواها، حتى لو كان الثمن استقرار العواصم العربية نفسها.
وهنا يكمن الخلل: ليس في عدالة القضية الفلسطينية، فهي ثابتة في وجدان العرب، بل في توظيفها خارج سياقها، وتحويلها إلى غطاءٍ لتبرير سياسات تُنتج مزيدًا من التوتر داخل المجال العربي. إن الفلسطينيين، في وعيهم الوطني، لا يقبلون أن تُختزل قضيتهم في دور “الذريعة”، ولا أن يُستثمر ألمهم في مشاريع لا تخدمهم بقدر ما تعمّق أزماتهم.
ثم تأتي الأرقام لتزيد الصورة وضوحًا: دول الخليج قدّمت، حتى عام 2025، نحو 900 مليار دولار دعمًا للدول العربية، منها ما يقارب 110 مليار دولار للقضية الفلسطينية منذ عام 1967. هذه معطيات مادية صلبة، تُظهر أن المساندة لم تكن شعارًا، بل التزامًا ممتدًا عبر عقود. فكيف يُعاد تعريف المواقف بحيث يُتّهم من قدّم، ويُبرَّر من يوسّع دائرة الخطر؟
إنّ الحديث عن الوحدة العربية، في هذا السياق، لا يمكن أن يستقيم دون إعادة ضبط المفاهيم. فالوحدة ليست خطابًا عاطفيًا، بل بناءٌ يقوم على إدراكٍ مشترك للتهديدات، وعلى حدٍّ أدنى من الاتفاق حول الأولويات. ولا يمكن لهذا البناء أن يقوم إذا كان بعض الأطراف يرى في استهداف دول عربية أمرًا يمكن احتماله أو التغاضي عنه.
السؤال إذن لم يعد: لماذا تعثّرت مشاريع الوحدة في الماضي؟ بل: هل يمكن أصلًا الحديث عن وحدةٍ في ظل هذا التباين الحاد في فهم الواقع؟ وهل يمكن لنخبٍ تختلف حتى في توصيف الخطر أن تتفق على مشروعٍ جامع؟
ربما تكون البداية في الاعتراف بحقيقة بسيطة: لا وحدة بلا وضوح، ولا تضامن بلا معيار واحد. فحين يُصبح أمن الدول العربية جزءًا من معادلة قابلة للتفاوض، فإن فكرة الوحدة نفسها تفقد معناها.
ويبقى السؤال، في نهايته، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
إذا كان 85% من النار تصيب الداخل العربي، فهل يمكن بعد ذلك الحديث عن وحدةٍ عربية دون إعادة تعريف الأولويات؟
التعليقات