هل تعني التهنئة إقرارًا ؟ فهم في المعنى وحدودها مع غير المسلمين
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومرشد ديني بالمستشفيات والسجون الفرنسية، ومبتعث سابق من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية
لقد خلق الله تعالى البشر مختلفين في الأديان والأعراق، وجعل التعايش بينهم ضرورة من ضرورات الحياة؛ فالإنسان مدنيّ بطبعه، لا يعيش إلا مع غيره، ولا يستغني عن التعامل مع الناس على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم.
وقد أباح الله تعالى للمسلم أن يتعامل مع غير المسلم في شؤون الدنيا، بشرط ألا يتجاوز حدود الشرع. قال سبحانه: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [ الممتحنة: 8 ] فالبرّ، والعدل، والإحسان، أصول شرعية في معاملة غير المسلمين، ما دامت لا تمسّ عقيدة المسلم ولا دينه.
ومن المسائل التي يتكرر السؤال عنها في عصرنا : حكم تهنئة أهل الكتاب بعيد من أعيادهم الدينية.
تُعدّ هذه المسألة من القضايا الاجتهادية التي شهدت خلافًا قديمًا وحديثًا، وقد ناقشها العلماء السابقون والمعاصرون، كما أولتها البحوث العلمية اهتمامًا خاصًا، وطرحتها المجامع الفقهية الأوروبية وغير الأوروبية ودور الإفتاء..
واختلف العلماء في الحكم عليها بين من أجازها بتحفظ، ومن منعها بشكل مطلق، ومن منعها فقط إذا كان القصد التعظيم، مستندين في ذلك إلى أدلة عامة دون وجود نص خاص صريح في المسألة يحدد الحكم.
وبناءً عليه، تبقى هذه القضية مسألة ظنية غير قطعية، ولم يثبت فيها إجماع صريح، بل يذكر فيها فقط إجماع سكوتي، وقد خالفه عدد من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
في أصل اللغة، التهنئة تعني الدعاء بالخير، كما يُقال: ‘هنّأت فلانًا’ أي دعوت له بالهناء، والسعادة. وسُمّي العيد عيدًا لما فيه من تجدد السرور والفرح. ومن هذا المنطلق، فالتهنئة دعاء بالخير والسعادة، ولا تُعدّ إقرارًا بأي مخالفة قد يرتكبها المهنأ له.
ومن هنا، يكون من غير الدقة قياس تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم على تهنئة المخالفين على شرب الخمر ….الخ لأن الإسلام أقرّ أهل الكتاب على عباداتهم إذا لم يقبلوا بالإسلام بشروطه المعروفة، وضمن لهم حرية دينهم،
بل أمر بحماية دور عبادتهم.
ثم إنه ثبت أن وفد نجران صلّى في المسجد النبوي بإذن النبي صلى الله عليه وسلم فهل يعني ذلك موافقته على عبادتهم ؟ قطعًا لا. فإذا كان السماح بالعبادة — وهو أعظم ما يمكن أن يُسمح به — لا يدل على الإقرار، فالتهنئة من باب أولى لا تُعدّ موافقة أو إقرارًا بالعقيدة.
وكذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام لجنازة يهودي، فلما قيل له: إنها جنازة يهودي، قال: «أليست نفسًا؟». فاحترام المشاعر الإنسانية لا يعدّ إقرارًا بالعقائد المخالفة التي يحملها صاحبها.
ومن هنا يتبين بذلك الفرق بين الإقرار القلبي الذي يفهم منه التعظيم أو الموافقة، وبين حسن الخلق والمجاملة الحسنة التي يقصد منها اللطف والبرّ.
وكمثال واضح على أن المسلم قد يردّ بالكلمة الحسنة لمن هو أشد الناس بُعدًا عن الحق، ولا يعدّ ذلك إقرارًا لعقيدته !
ومن ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ” لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلتُ: وفيك» رواه البخاري في الأدب المفرد برقم : 1113 وغيره.
فمع أن فرعون بلغ الغاية في الطغيان، لم ير ابن عباس بأسًا بردّ الكلمة الطيبة، لأنها من باب حسن الخلق ومقابلة المعروف بالمعروف، لا من باب الإقرار بدين قائلها أو عقيدته.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا علمنا أن الله تعالى أباح للمسلم الزواج من اليهودية أو النصرانية، وأوجب عليه الإحسان إليها والإنفاق عليها وإكرامها، وهذا أعلى درجات الصلة. ولا يقول أحد إن هذا الإحسان إقرار منه لعقيدتها. فكيف تُجعل التهنئة — وهي أضعف صور الصلة — إقرارًا؟!
ولا بد من التفريق هنا بين النية التي تضر المسلم في دينه — وهي نية الرضا بالعقيدة أو تعظيم الباطل — وبين الكلمة العرفية التي يقصد بها حسن التعامل والبرّ.
فإذا كانت التهنئة خالية من الألفاظ الدينية المحرمة، ولا تتضمن تعظيمًا لدينهم أو رضاً بعقائدهم، فهي جائزة عند طائفة من العلماء المعاصرين ودور الإفتاء وبعض المجامع الفقهية ؛ لأنها مجرد لطف يحافظ به المسلم على جوارٍ أو زمالة…ومن أمثلة العبارات الجائزة:
– أرجو لك عاماً طيبًا.
– أرجو لك الصحة والسلام.
– أسأل الله أن يجعله عامًا مليئًا بالخير عليك وعلى أسرتك.
– سنة سعيدة.
ومثل هذه العبارات لا تتضمن اعترافًا بدين، ولا تعظيمًا لشعيرة، وهي من الكلام الإنساني العرفي الذي يُقصد به حسن الخلق فقط. بل حتى الفقهاء الذين منعوا التهنئة، إنما منعوها احتياطًا، لا باعتبارها إقرارًا عقائديًا، ولم يقل أحد منهم إنها تخرج المسلم من الإسلام لا قدر الله إلا إن تضمنت تعظيمًا صريحًا لدين باطل، وهذا خارج محل النزاع.
ولهذا؛ ينبغي أن نميّز بين المقاصد والمظاهر؛ فتهنئة شخص بحدث من أحداث حياته لا يعني تبنّي فلسفته؛ فأنت قد تقول لغير المسلم:
– “مبارك التخرج”،
– “مبارك الزواج”،
– “عطلة سعيدة”،
مع أن في حياته ما لا يرضاه الشرع، ولا يلزم من تهنئتك أنك تقرّه على معاصيه. فالتعبير اللطيف لا ينقل العقائد.
والله أعلى وأعلم.
التعليقات