هكذا يمكن قياس الفارق بين المجتمعات من خلال علم الاستشراف
وليد عبد الحي
1- يشير الاتجاه الغالب في الدراسات المستقبلية إلى أن “التغير” هو الاتجاه الذي لم يغادر حلبة التاريخ يوماً، لكن يتوارى في باطن هذا الاتجاه مؤشرٌ تَنَامَى عبر مراحل التاريخ، أعني “التزايد التدريجي” في “سرعة إيقاع التغير”،
2- ويميل أغلب العلماء إلى اعتبار المسؤول المركزي عن هذا التزايد هو “التطور التكنولوجي” (و”التغير التكنولوجي” بمعناه الواسع يرافقه “التغير المناخي” المرتبط به في بعض جوانبه، وكلاهما يُكْرِهان كافة الأنساق الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية على التغير كذلك)، الذي يرى علماء الدراسات المستقبلية أنه انتقل من مدى زمني يُقدر بأكثر من أربعين قرناً (بين تدجين الحيوان، 8000 ق. م، واختراع العجلة، 3500 ق. م) إلى أن وصلت سرعة التغير حالياً (المنحنى السوقي “Logistic Curve”) 25 عاماً !
3- وتكفي الاشارة إلى أنه يتم إضافة “أربعة آلاف مصطلح علمي جديد” سنوياً ! وهو تعبير عن “حجم التغير” في “المنظومة المعرفية للبشر”، زأن معدل التغير في “شبكات الترابط العولمية” يتزايد بمعدل يومي [..].
4- ومقابل هذا الإيقاع المتسارع للتغير، لابد من “تكيف” يجاري هذا التغير في اتجاهه الخطي أولاً، وفي إيقاعه ثانياً،
مما يستوجب التغيرَ في أنماط التفكير، وفي أدوات العمل، وفي الكثير من الغايات المنشودة، وفي المؤسسات التي يوكل إليها مواجهة ذلك التغير.
5- والمسافة الفارقة بين “إيقاع التغير” و”إيقاع التكيف”، وتسمى بـ “فجوة التكيف” (Adaptive Lag كما أسماها وليم أوجبيرن عام 1922م)، هي “مصدر الشرور” كلها على مختلف المستويات، بدءً من الفرد والأسرة، وصولاً إلى النظام الدولي والعولمة،
ويمكن قياس الفارق بين المجتمعات وتحديد مستقبلها من خلال إيجاد “نموذج لقياس المسافة” بين “إيقاع التغير” و”إيقاع التكيف”، وتحديد : هل المسافة تزيد أم تتقلص، وبالتالي، [تَبَيُّن] مستقبل أي مجتمع أو دولة [..]..
6- ويشير “مؤشر الهشاشة” بشكل قاطع إلى أن حوالي 92 % من العرب يعيشون في “فجوة تكيفية” تقدر بما هو دون الـ 50 % من “مقتضيات التكيف” !
ويتم “قياس الهشاشة” من خلال المؤشرات التالية :
أ- التماسك الاجتماعي : الأجهزة الامنية، الانقسام النخبوي، المظالم المجتمعية.
ب- الوضع الاقتصادي : الفقر، التنمية غير المتكافئة، الهجرة (خاصةً من ذوي الكفاءات).
ج- الوضع السياسي : شرعية الدولة، الخدمات العامة، سيادة القانون، حقوق الانسان.
د- البنية المجتمعية : الزيادة السكانية، اللاجئون، النازحون.
هـ- البيئة الدولية : درجة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي.
7- فإذا أرفقنا بذلك “مؤشر نسبة الإنفاق على البحث العلمي” (لاستيعاب التطور التكنولوجي والمساهمة فيه؛ لتوفير ميكانيزمات التكيف والتخطيط للتكيف) يتبين لنا :
– أن معدل الإنفاق العربي العام عليه لم يتجاوز 0.58 % من إجمالي الناتج المحلي (مما يضعنا ضمن أطراف ذيل دول العالم)!
– وذلك -على سبيل المثال- في مقابل إنفاق 5.56 % في إسرائيل (وهي بذلك تحتل المرتبة الأولى عالمياً) !
8- فإذا أضفنا إلى ذلك كله “تراجع نصيب النفط في الطاقة العالمية” (بسبب ضغوط المناخ، والنضوب المتزايد لآبار النفط العاملة حالياً، وتراجع معدلات الاكتشافات الجديدة لحقول النفط، وتزايد حصة مصادر الطاقة النظيفة، والتحول في بعض قطاعات الإنتاج الصناعي نحو مصادر غير نفطية للطاقة)، فهذا يعني أن عماد الاقتصاد العربي سيكون، خلال العقود الثلاث أو الأربع القادمة، تحت ضغط شديد، مما يزيد من “اتساع الفجوة التكيفية” العربية، فهل يستبين قومي الرُّشْدَ قبل ضُحَى الغد ؟!
التعليقات