نقد البراديغم الغربي الجديد لدراسة القرآن الكريم

22 أبريل 2026

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما صدرت مجلة قضايا إسلامية معاصرة قبل ثلاثين عامًّا كانت تنشد تعميق الأسئلة الحائرة حول مأزق الفكر الدينيّ في عالم متغيّر، وتسعى إلى استفتاء الخبراء في الفلسفة والعلوم الإنسانيّة الحديثة عن الإجابات المقترحة لتلك الأسئلة، وعن كيفيّة قراءة النّصوص الدينيّة والتراث في ضوء مناهج هذه العلوم وأدواتها الجديدة. لم تكن “قضايا إسلاميّة معاصرة” تطمح إلى تقليد مجلات إسلاميّة معروفة تصدر عن مؤسسات دينيّة، ذلك ما دعاها إلى رسم خارطة طريقها الخاصّة، والتحرّر من مراكمة الكلام على الكلام، ومن الانشغال بالذود عن شعارات مكرّرة مُثقلة بمعلومات تراثيّة، لكنّها لا تَمنحنا معنى يُضيف شيئاً مُفيداً.

مَنْ يتصدّى لقولٍ مُختلفٍ ورؤيةٍ لا تحاكي رؤيةً راسخةً مُتسيّدةً، عليه أن يتحمّل ما يُقال عنه من أحكامٍ قاسيةٍ، وكلماتٍ جارحةٍ، واتّهاماتٍ مريرةٍ، خاصّةً حين تصدر عن مؤسّساتٍ دينيّةٍ تدّعي امتلاك مشروعيّة السّماء، ومزوّدةٍ بإمكاناتٍ متنوّعةٍ، وتحظى بحمايةٍ جماهيريّة. الصوت المختلف يستفزّ الخائفين. أصرّت “قضايا إسلاميّة معاصرة” على صوتها المختلف، وصارت تشدّد عليه وترسّخه في كلّ محور جديد تقتحمه. لم تعبأ هذه المجلّة بما كان يصلها من أولئك الذين لا يقرؤون النصوص إلاّ في الظّلام، ولم تشغل وقتها بالردود وردود الردود عليهم، لأنّها مُنهمكة بإنجاز وعودها الكبيرة.

فوجئت هذه المجلّة بحضورها الفاعل والمؤثّر لدى جيلٍ من الشّباب العراقيين الدارسين لعلوم الدين التراثيّة في تسعينيات القرن الماضي، ممّن تطوّعوا لتبني رسالتها، وتحوّلوا إلى ناطقين بما تنشره من مفاهيم ورؤى جديدة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وأصبحت “قضايا إسلاميّة معاصرة” ناطقةً بأحلامهم وما يتطلّعون إليه من إنتاج فكرٍ دينيٍّ جديدٍ يغادر المأزق المرير للفكر الدينيّ التقليديّ، ويحرّره من مقولات الإسلام السياسيّ المفارقة للواقع، والغارقة في سجون أوهامه الرومانسيّة اللاعقلانيّة.

كما جاء عن السيّد المسيح: “مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ”، إنجيل متّى، الإصحاح 7، الآية 20، فإنّ ما حصدته “قضايا إسلاميّة معاصرة” من ثمار، وما تترقّب أن تحصده غدًا، لم تكن تتوقعه عند صدور أعدادها الأولى. استطاعت هذه المجلّة والكتب الرديفة لها، التي أصدرها “مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد”، في سلاسل متنوّعة بلغ مجموع ما صدر منها خلال ثلاثين عامًّا أكثر من ثلاثمائة كتاب، أن تحضر بكثافة، عبر رؤاها الجديدة في الفكر الدينيّ، وفي الدراسات الفلسفيّة والدينيّة ضمن مقرّرات جامعات عربيّة عديدة اهتمّت بتدريس فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد.

واتّخذت نُخبة من طلاب الدراسات العليا موضوعاتٍ لرسائلهم في الماجستير والدكتوراه في هذا الحقل، كما برز توجّه لافت لدى بعض مراكز الأبحاث لعقد مؤتمرات وندوات وكتابة أبحاث فيه.

يَعترف مُحرّر هذه المجلّة بمديونيته لطلاّبه الأوفيّاء، ولطلاّب الدراسات العليا والأساتذة في جامعات عديدة، ممّن حملوا رسالة هذه المجلّة وإصداراتها بوعيهم الحرّ وحماستهم، وانخرط أكثرهم في رفدها وإثراء مسيرتها بتنويعات متميّزة من كتاباتهم التي تنفتح على آفاق الوعي الدينيّ الذي أعلنت عنه وسعت إلى ترسيخه.

وكعادتها في فتح باب النّقاش في القضايا المختلَف فيها، تناولت “قضايا إسلاميّة معاصرة” في هذا العدد المزدوج 81–82 قضيّة تتّصل بكيفيّة تشكّل المصحف وتاريخ تدوينه. وهي قضيّة فرغ المسلمون من حسمها في وقت مبكّر يعود إلى عصر الرسالة، بعد تدوين القرآن في مصحف في عصر الخليفة عثمان بن عفّان. ومنذ ذلك التاريخ تلقّى المسلمون، على اختلاف فرقهم، هذا المصحف بالقبول، وتبنّوه مرجعيّةً مركزيّةً في حياتهم الدينيّة، وحتّى في كثير من شؤون حياتهم الدنيويّة.

تبنّى مستشرقون في القرون السابقة الرواية الإسلاميّة واعتمدوها مُسلّمةً في دراساتهم لكيفيّة تشكّل المصحف، على الرغم من اختلافهم في الإيمان بالوحي، فقد وضع المستشرق الألماني تيودور نولدكه (Theodor Nöldeke، 1836 – 1930) الأُسس الأولى لما عُرف في الجامعات الغربيّة بالدراسات القرآنيّة التاريخيّة من خلال كتابه: “تاريخ القرآن” الذي نشره سنة 1860م، ودرس فيه القرآن بوصفه نصًّا تاريخيًا، وبحث في ترتيب سوره ومراحل نزوله، وتاريخ جمعه باعتماد معايير لغويّة وتاريخيّة ومقارنة بالروايات الإسلاميّة التقليديّة.

حاز هذا العمل تأثيرًا واسعًا وعدّه الباحثون في أوروبا العمل الأكثر شمولًا في دراسة تاريخ القرآن. ثم واصل تلامذته تطويره، فأعاد فريدريش شفالي (Friedrich Schwally، 1863 – 1919) تحريره ونشر الجزء الثاني سنة 1909م حول جمع القرآن، وتابع غوتلف بيرغشتريسر (Gotthelf Bergsträsser، 1886- 1933) العمل على الجزء الثالث المتعلّق بتاريخ النصّ والقراءات قبل وفاته، ثم استكمله أوتو بريتسل (Otto Pretzl، 1893 – 1941) ونشره سنة 1938م. وخلال عقود طويلة عدّ دارسو القرآن في الغرب هذا الكتاب حجر الأساس في الدراسات القرآنيّة حتى تحوّل إلى نموذج تفسيريّ مهيمن في هذا الحقل.

في حين اقترح بعض الباحثين الغربيين المتأخّرين روايةً مغايرة عمّا استقرّ في مؤلّفات علوم القرآن التراثيّة حول هذا الموضوع، وقد ظهر هذا الاتّجاه منذ سبعينيات القرن العشرين فيما سُمّي في الدراسات الغربيّة بـ”البراديغم الجديد” في دراسة تاريخ القرآن. من أبرز ممثليه الباحث البريطاني جون وانسبرو (John Wansbrough، 1928– 2002) الذي نشر كتابه “الدراسات القرآنيّة” سنة 1977م، ثم كتاب “البيئة الطائفيّة” سنة 1978م، وفيهما قدّم قراءة نقديّة لتاريخ النصّ القرآنيّ وشكّك في كثير من الروايات الإسلاميّة التقليديّة حول نشأته المبكّرة.

كما شارك في هذا الاتّجاه الباحثان مايكل كوك (Michael Cook، 1940– ) وباتريشيا كرون (Patricia Crone، 1945 – 2015) في كتابهما المشترك “الهاجريّة: تشكّل العالم الإسلامي” Hagarism: The Making of the Islamic World الذي صدر سنة 1977م، إذ حاولا إعادة كتابة تاريخ الإسلام المبكّر باعتماد مصادر غير إسلاميّة. كما حاول بعض الباحثين استثمار النقوش العربيّة القديمة والمخطوطات المبكّرة لإعادة قراءة تاريخ النصّ القرآني، كما فعل الباحث الألمانيّ غيرد روديغر بوين (Gerd Rüdiger Puin، 1940– ) في دراساته لمخطوطات صنعاء التي اكتُشفت سنة 1972.

وبرأيي أنّ مثل هذه الآراء لن يكون لها أثرٌ عمليٌّ في حياة المسلمين، ولن تدعوهم إلى إعادة النظر في تاريخ تدوين المصحف. كنتُ أجادل بعض المفكّرين، ممن كتبوا في كيفية تشكّل المصحف، بأنّ التشديد على هذه القضيّة لن يكون له أثرٌ يُذكر في حياة المسلم العمليّة اليوم أو غدًا. ما يمكن أن يكون له أثرٌ كبيرٌ في حياة الفرد والمجتمع هو كيفيّة قراءة النصّ القرآنيّ، باعتماد أدواتٍ جديدةٍ في تأويله، والاستعانة بالفلسفة والعلوم الإنسانيّة وعلوم التأويل.

تاريخُ الكتب المقدسّة للأديان يكشف لنا أنّ نصوصها بعد تدوينها وإغلاقها تَكتسب وَضعًا معياريًا لا يسمح بإعادة النظر فيها لاحقًا، حتّى لو لم تُدوّن في حياة مؤسّس الديانة. يظهر ذلك بوضوح في تاريخ تدوين أسفار العهد العتيق والعهد الجديد وغيرهما من الكتب المقدّسة التي تشكّلت نصوصها النهائيّة بعد زمن طويل من نشأة الدين.

أمّا القرآن الكريم فقد دُوِّن في حياة النّبيّ محمّد الذي عاش بين سنتي 570 و632 م، إذ كُتب الوحي فور نزوله على يد عدد من كتّاب الوحي من الصحابة، وتشير المصادر الإسلاميّة المبكّرة إلى أنّ عددهم تجاوز الأربعين كاتبًا، ثم جرى توحيد المصاحف ونسخها في خلافة عثمان بن عفّان نحو سنتي 650–656 م باعتماد ما كُتب في حياة النّبيّ وما حفظه القرّاء من القرآن.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...