نظرات في التشريع القانوني المغربي تفاعلا مع كلمة السيد وزير العدل

4 مايو 2026

ذ. محمد المهدي اقرابش

أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا

ألقى السيد وزير العدل في كلية الحقوق بالرباط كلمة أثارت جدلا حول التشريع القانوني في المغرب، والصعوبات والتحديات التي تواجهه.

و لا شك في أن المشرع المغربي مطالب بالأخذ بعين الاعتبار الدين الإسلامي وقيمه السمحة، والعرف الاجتماعي والسياسي، والمواثيق الدولية المصادَقِ عليها في الصناعة التشريعية. فيلتزم بذلك التوازن لصيانة المجتمع برمته دون تحيز إلى فئة دون أخرى أو قطاع دون آخر. إلا أن السيد وزير العدل المحترم قد أغفل هذا الجانب، وعبر عن تحيز أيديولوجي من حيث المضمون، ضاربا أمثلة غير موضوعية في عدة مسائل، فضلا عن استخدام أسلوب يبدو أحيانا صداميا، خاصة عندما ذكر خلافه وعلاقته السيئة بالمحكمة الدستورية. والتعريض بهذه المؤسسة ووصف أعضائها بأنبياء القانون المعصومين غير محمود.

درستُ -بحمد الله تعالى- القانون الخاص في جامعة محمد الخامس والقانون العام وغيرهما من الشعب القانونية الأخرى في الجامعات الفرنسية، وزاولتُ لفترة وجيزة مهمةَ المحاماة هذا بالإضافة إلى دراستي وممارستي للعلوم الدينية؛ وهي أمور أظنها تؤهل لإبداء النظر في ما نطق به السيد الوزير المحترم؛ و نظري المتواضع مسَلَّطٌ على مستويين اثنين وهما:

أولا: على مستوى الشكل، لم يحرص السيد وزير العدل المحترم على احترام اللغة القانونية و اللغة العربية، من حيث تطبيق قواعدها اللغوية والبيانية وصيانتها عن الأخطاء، التي أنَزِّهُ فقهاء القانون والدين أن يرتكبوها.

وكم هو سمج أن لا يحسن المرء التحدث باللغة العربية الرسمية خاصة إذا كان المتحدث محاميا أو وزيرا . و تأتي المفارقة الغريبة ليتزامن خطابه مع نداء الرباط الموجه إلى الحكومات والمؤسسات الإفريقية، بمناسبة المؤتمر الوطني الثامن للغة العربية المنعقد يومي 29 و30 أبريل 2026، والذي دُعِيَ فيه إلى ضرورةِ جعلِ اللغة العربية في صلب السياسات العمومية،واعتبارها رافعة للتنمية والسيادة الثقافية.

ألقى السيد وزير العدل المحترم كلمته في جامعة عريقة، دَرَّسَ فيها أساطين اللغة والفقه والقانون؛ و ما كان لأخطاء لغوية أن تُرْتَكَبَ بصفة متكررة في مثل هذا الصرح الجامعي العريق. و إن المتلقي لينظر أولا في شكل الخطاب قبل أن ينظر في فحواه.

ولن نقف بطبيعة الحال، على طريقة الخطاب لأنها متعلقة بشخصية المتحدث وقد يشق عليها الانفكاك عن طبعها، ولا ضير في ذلك؛ فقد قيل قديما: الطبع يغلب التطبع. و مع هذا، فانتقاء حسن المنطق وجميل الكلام هو وسيلة من وسائل الإقناع والتأثير.

ثانيا: أما على مستوى المضمون،فقد أغفل السيد وزير العدل المحترم أن القوانين في المملكة المغربية تكتسي كُلُّها طابعا دينيا بمجرد إصدارها بظهير شريف. فلو ذكر هذا المعطى لعلم أن الفقه السياسي الإسلام حاضر بوضوح في النظام التشريعي المغربي. إذ أن الدستور قد ذكر مؤسسة إمارة المؤمنين في الفصل 41.

وليس خافيا على طلبة و فقهاء القانون معرفة مراحل التشريع وخصائصه ومعرفة الفرقِ بين الدستور و مقترحات قوانين ومشاريع قوانين، والقوانين التنظيمية والعادية، والظهائر الشريفة، والمراسيم التنظيمية المستقلة، والمراسيم التشريعية، والمراسيم التطبيقية؛ و كذلك اجراءات مراقبة دستورية القوانين قبل إصدارها ونشرها في الجريدة الرسمية.

ليس هناك شك في أن القوانين يجب أن تواكب المتغيرات وتستجيب لحفظ مصالح المجتمع بين الأفراد والمؤسسات.و لقد راعى المشرع المغربي في إنتاجه التشريعي وتطوره الدستوراني و الدستوري منذ 1962 إلى غاية 2011م الدين الإسلامي، والعرف، والإعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966 والمواثيق الدولية المصادق عليها. وقد ذكر المشرع المغربي هذه المصادر القانونية في تصدير دستور 2011.

أما المحكمة الدستورية والفقهاء القانونيون المغاربة فلهم من القدرة العلمية و الفقهية العالية، لصناعة و تمحيص القوانين بناء على ما راكموه من تجارب واجتهادات قبل الاستقلال وبعده. ومن أراد أن يعرف المشكاة التي يَصْدُرُ منها هؤلاء الفقهاء فله أن يقرأ اجتهادات فقهاء مثل السادة ادريس الضحاك، واحمد الخمليشي، والمشيشي العلمي، وعمر عزيمان، و عبد اللطيف المنوني، ورجاء ناجي مكاوي، وأمينة السكراتي، وغيرهم من رجال ونساء الفقه و القانون.

ذكر السيد وزير العدل في كلمته قانون الالتزامات والعقود .D.O.C، و اعتبره فرنسيا صرفا معرضا بذلك عن قرارات واجتهادات المحاكم المغربية، التي مغربته في تطبيق مواده طيلة عقود. و لم يبين السيد وزير العدل أن قانون بونابرت 1804 قد تأثر بدوره في نشأته بالفقه المالكي، وهو من التثاقف القانوني بين الدول و الحضارات و لو أنه جاء تحت وقع الاستعمار الفرنسي.

كما أغفل ذكرَ أثر عمل سليمان القانوني الذي وضع مدونة موحدة للقوانين وراعى فيها عرف كل قطر من أقطار الدولة العثمانية؛ و قد كان لهذا الأمر تأثير على العمل الفقهي والقانوني عند المالكية، و هو تفاعل طبيعي بين السادة المالكية وغيرهم في تقرير مبادئ و قواعد وأحكام القانون. و مجلة الأحكام العدلية شاهدة على الثراء الفقهي والقانوني للفقهاء والقضاة المسلمين.

يأتي القانون مجردا و عاما و غير جامد، إذ أنه مطالب بمواكبة المجتمع في تطوره لحفظ وحماية حقوق المواطنين وتنظيم العلاقات بين الأفراد و المؤسسات.

يجب الاستفادة من قيم الدين الحنيف المبني على الرحمة والعدل والمساواة بطريقة علمية حديثة، لا أن نلغيها أو نطرحها. وقد دعا في مامضى الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري إلى إيجاد طريقة جديدة لدراسة الفقه الإسلامي ودراسة مقارنته مع القوانين الوضعية العصرية والقوانين الدولية التي تشكل أيضا مصدرا للتشريع بغض النظر عن كون بعضها ذا أصول رومانية جرمانية أو أنجلو-سكسونية؛ لأن الأساس هو تحقيق العدالة رغم نسبيتها، ولأن بلوغ الكمال من المحال.

إن الدين والعرف والإنتاجات القانونية والعصر لها أثر على الصياغة التشريعية والقانونية في كل بلد، وهي عاكسة و معبرة عن ضمير ووجدان واختيار مجتمعٍ ليس وليد أمس. وسعي السيد وزير العدل المحترم إلى إنشاء قوانين أو إصلاحها أو تعديلها لصالح المجتمع هو من صميم عمله؛ وكذلك ردات فعل المجتمع الحادة والمتباينة أحياناً هي طبيعية كذلك. ولا ريب في أن المشرع المغربي قادر على غربلة هذه المقترحات والمشاريع وإنتاج قوانين عصرية ملائمة للمجتمع ومحافِظة على النظام العام بقيمه ومصالحه.

وفصل الخطاب في ذلك يرجع إلى المحكمة الدستورية التي يعيَّنُ ستةٌ من أعضائها من قبل ملك البلاد والستةُ الباقون يعينون من طرف البرلمان مناصفة بين مجلس النواب والمستشارين. و يختص الملك بعد ذلك بتعيين رئيس المحكمة من بين أعضائها.

تضطلع هذه المحكمة الدستورية بمراقبة مقترحات ومشاريع القوانين قبل ان تصدر بظهير شريف تنفيذي يوقعه الملك أمير المؤمنين، الممثل الأسمى للأمة، وأعلى سلطة في البلاد.

“والله يقول الحق وهو يهدي السبيل” الآية 4 سورة الأحزاب.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...