نازلة التدخين بين المنهج الأصولي والخطاب الشعبوي: قراءة مقاصدية في تحرير المناط وسوء التنزيل

6 يناير 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمي بأمريكا اللاتيني
في إطار النقاش العمومي المتجدّد حول حكم التدخين بالمملكة المغربية، تبرز هذه النازلة بوصفها نموذجًا كاشفًا عن الخلل المنهجي في التعامل مع القضايا المستجدة، أكثر مما هي مجالًا لخلافٍ حقيقي حول مقاصد الشريعة أو كلياتها.

فالإشكال لم يكن يومًا في غياب القواعد الأصولية أو ضعف التراث الفقهي، وإنما في سوء تنزيلها، وخلط الأحكام بمجرّد الانطباعات، وتحويل الفقه من علمٍ ضابط إلى خطاب تعبوي شعبوي يختزل التعقيد الشرعي في أحكام جاهزة .

ومن القواعد الأصولية المحكمة أن أفعال العادات لا تُحكَم بحكمٍ واحدٍ ثابت إلا بعد صحة التصوير، وضبط التكييف، وتحقيق المناط.

والتدخين، من حيث هو، ليس عبادة مأمورًا بها، ولا معصية منصوصًا على تحريم عينها، وإنما هو فعل حادث يتردد بين أوصاف متعددة. وعليه، فإن وحدة الفعل لا تستلزم وحدة الحكم، إذ يختلف الحكم باختلاف حال الفاعل، ومقدار الضرر، ومآل الفعل في حقّه، عملًا بالقاعدة الأصولية: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وعند تحرير محل النزاع، يتبين أن مناط الحكم في التدخين ليس الاسم ولا العرف الاجتماعي، بل الأثر المترتب عليه شرعًا. فحيث تحقق الضرر المفضي إلى إهلاك النفس أو إتلاف عضو، أو غلب على الظن وقوع ذلك في حق شخص بعينه، انعقد مناط التحريم قطعًا، لا لأن التدخين محرّم لذاته، بل لأن الشريعة جعلت حفظ النفس مقصدًا كليًا، وحرّمت كل ما يفضي إلى نقضه.

أما حيث لم يتحقق هذا الضرر، أو كان محتملًا ضعيفًا، فإن الانتقال مباشرة إلى التحريم العام يفتقر إلى تحقيق مناطٍ منضبط، ويصطدم بأصول معتبرة في باب الإباحة والكراهة.

وفي هذا السياق العلمي الرصين، تبرز أهمية المواقف التي التزم بها العلامة الشيخ حسين مفراح عندما سئل في إحدى البرامج الدينية بقناة السادسة ، والتي كانت سببًا في تعرّضه لهجمات حادّة من بعض المتفيهقين، ممن جعلوا من الخلاف الفقهي ذريعة للتجريح والتشنيع .

والحال أن الشيخ لم يخرج عن قواعد العلم، ولا خالف أصول الفقه أو مقاصد الشريعة، بل ظل متمسكًا بتحرير المناط، ومراعاة المآلات، والتمييز بين الحكم النظري والتنزيل العملي.

ولم يُحرّم حلالًا، ولم يُحلّل حرامًا، وإنما رفض منطق التعميم غير المنضبط، وأعاد الاعتبار للميزان الأصولي الذي به تُصان الشريعة من التسييس والابتذال .

كما أن من القواعد المغفلة في هذا الباب قاعدة تغيّر الأحكام بتغيّر الأحوال، لا بمعنى تغيّر النصوص، بل تغيّر مناطاتها. فالتدخين في سياق صحي أو نفسي معيّن، أو في حالة إدمان مستحكم، لا يُعالج فقهيًا بمنطق واحد، بل بخطاب متدرج يوازن بين الزجر والتيسير، وبين حفظ النفس وعدم تحميل المكلف ما لا يطيق، وهو ما قرره الأصوليون في باب رفع الحرج وجلب المصالح..كما ان المنهج الأصولي، كما قرره علماء الأمة، يقوم على التمييز الدقيق بين الحكم التكليفي في ذاته، وبين مناطه وشروط تنزيله، وبين المآلات المترتبة عنه.

فليس كل ما ثبت فيه ضرر ما يُحكم بتحريمه على الإطلاق، ولا كل ما كان في أصله مباحًا يبقى كذلك في جميع الأحوال، هذا الوعي المنهجي هو الذي يجعل الفقيه يتحرك داخل شبكة معقدة من القواعد، من قبيل: تحقيق المناط، وتخريج المناط، وتنقيحه، والنظر في عموم البلوى، ومراعاة الخلاف، وسد الذرائع وفتحها، وترتيب المصالح والمفاسد، وتقدير الضرر بقدره، وعدم الانتقال من الوصف إلى الحكم إلا عبر جسر علمي متين .

أما الخطاب الشعبوي للأسف، فإنه يقفز على هذه المراحل كلها، ويستبدلها بمنطق تبسيطي يخلط بين النص والمآل، وبين المقصد والوسيلة، وبين الكلي والجزئي . فيُرفع شعار «كل ما فيه ضرر فهو حرام» دون تحرير معنى الضرر، ولا درجاته، ولا التفريق بين الضرر القطعي والظني، ولا بين الضرر العام والخاص، ولا بين ما يمكن دفعه وما لا يمكن، ولا بين الضرر الملازم للفعل والضرر العارض له .

وهكذا يتحول الفقه من علم تنزيل الأحكام على الوقائع إلى خطاب وعظي زجري يُخاطب العامة بمنطق التخويف لا بمنطق البيان .

فإن مقاصد الشريعة الخمسة – وفي مقدمتها حفظ النفس – لا تُفهم بمعزل عن قواعدها الكلية في رفع الحرج والتيسير ومراعاة أحوال المكلفين . فحفظ النفس لا يعني إلغاء كل فعل يحتمل ضررًا ما، وإلا لوجب تحريم العمل الشاق، وركوب وسائل النقل، والتعرض للضغوط النفسية، بل وحتى بعض الممارسات الطبية التي تقوم على مبدأ «الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد».

إن الشريعة، في بنيتها العميقة، لا تشتغل بمنطق المثالية المجردة، بل بمنطق التدبير الواقعي للحياة الإنسانية في حدود الممكن والمعتاد .

وعند تنزيل هذا الفهم على نازلة التدخين، يظهر بوضوح أن الخلاف الفقهي لم يكن يومًا خلافًا في أصل المقاصد، بل في تحقيق المناط: هل الضرر المترتب عن التدخين ضرر قطعي عام لازم لكل شخص وفي كل حال؟ أم هو ضرر ظني يختلف باختلاف الأشخاص والكميات والظروف؟ وهل ثبتت علّة التحريم فيه نصًا أو إجماعًا، أم نحن أمام اجتهاد مبني على معطيات طبية متغيرة؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا علميًا، بل هي جوهر العملية الاجتهادية .

لقد تعامل الفقهاء المتقدمون مع مواد وأفعال ثبت فيها ضرر، ومع ذلك لم يُنزلوها منزلة واحدة في الحكم. ففرّقوا بين القليل والكثير، وبين المعتاد والنادر، وبين ما يفضي إلى الهلاك غالبًا وما لا يفضي، وبين ما كان ضرره محققًا وما كان مظنونًا .

وهذا المنهج هو الذي سمح لهم بالحكم بالكراهة في مواضع، وبالتحريم في أخرى، وبالإباحة المقيدة في ثالثة. أما الخطاب الشعبوي المعاصر، فإنه يرفض هذا التدرج، لأنه لا يخدم منطقه التعبوي، ولا ينسجم مع رغبته في تقديم نفسه بوصفه حارسًا للأخلاق والفضيلة والدين .

إن سوء التنزيل يتجلى حين تُستعمل القواعد الأصولية استعمالًا انتقائيًا. فيُستحضر مبدأ «لا ضرر ولا ضرار» خارج سياقه المقاصدي، ويُغفل في المقابل مبدأ «المشقة تجلب التيسير» كما يُغفل أن الحكم الشرعي يتوجه إلى المكلف باعتباره كائنًا مركبًا، له عادات وتقاليد وسياقات اجتماعية ونفسية، وأن مقصود الشارع ليس مجرد إصدار الأحكام، بل إصلاح الإنسان تدريجيًا، وفتح أبواب التوبة، لا إغلاقها بإطلاق الأحكام القطعية التي قد تفضي إلى النفور أو الاستهانة بالدين .

ومن أخطر نتائج الخطاب الشعبوي في هذه النازلة، تحويل الخلاف الفقهي إلى معيار للتديّن، ووسيلة للتبديع والتفسيق والتكفير وربما التخوين . فيُصوَّر من قال بالكراهة أو بالتفصيل الفقهي على أنه متساهل أو مميع للأحكام، مع أن قوله قد يكون أرسخ أصوليًا وأقرب إلى مقاصد الشريعة. وهنا يغيب الفرق بين «الخلاف المعتبر» و«الانحراف»، ويُستبدل ميزان العلم بميزان الاصطفاف الأيديولوجي .

إن القراءة المقاصدية الرشيدة لنازلة التدخين لا تنكر ما ثبت طبيًا من أضرار جسيمة، ولا تقلل من خطورة هذه الآفة، لكنها في الوقت نفسه ترفض اختزال الفقه في رد فعل أخلاقي أو صحي. فهي تدعو إلى خطاب علمي هادئ يفرق بين الحكم الأصلي والحكم الطارئ، وبين الفتوى العامة والتوجيه الفردي، وبين البيان الشرعي والسياسة الصحية.

كما تدعو إلى التكامل بين الفقه والطب وعلم الاجتماع، بدل أن يُستعمل العلم الطبي أداة لإصدار أحكام شرعية قطعية دون المرور عبر المنهج الأصولي . للأسف الشديد، تكشف نازلة التدخين – بما أثارته من جدل – عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب الديني المعاصر: هل هو خطاب علمي اجتهادي يعترف بالتعقيد والاختلاف، أم خطاب شعبوي يبحث عن اليقين السريع والأحكام الجاهزة؟

إن استعادة المنهج الأصولي المقاصدي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية الفقه من التسييس والتسطيح، ولحماية الشريعة من أن تُختزل في فتاوى زجرية لا تعبّر عن روحها ولا عن حكمتها.

وختاما ، إن المعالجة المقاصدية الأصولية لمسألة التدخين لا تعني تمييع الأحكام ولا التساهل في الضرر، بل تعن إعادة الفقه إلى وظيفته العلمية: تحقيق العدل، وصيانة المقاصد، وربط الحكم بعلته ومآله.

أما الخطاب الذي يستسهل التحريم العام، ويهاجم أهل التحقيق، فإنه لا يخدم الشريعة بقدر ما يسيء إلى منهجها وروحها، ويحوّل الفقه من علمٍ هادٍ إلى أداة صراعٍ إيديولوجي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...