من خلاف فقهي إلى اصطفاف سياسي: *توظيف مسألة السدل والقبض في معاكسة الاختيار الديني المغربي

28 فبراير 2026

أشرف التايدي

لم تعد مسألة السدل والقبض، في بعض الخطابات الإسلاموية المعاصرة، نقاشًا فقهيًا صرفًا. جرى نقلها من دائرة الاجتهاد المعتبر إلى دائرة الرمز السياسي. وهنا تكمن المشكلة. حين تتحول هيئة الصلاة إلى شارة اصطفاف، نكون أمام توظيف سياسي لفرع فقهي، لا أمام بحث علمي في مأخذ الدليل.
الخلاف في أصله معلوم. السدل مستقر مشهور في المذهب المالكي الذي شكّل الإطار المرجعي للتدين المغربي قرونًا طويلة، ضمن بناء مؤسسي هدفه توحيد الفتوى وتقليل التنازع وحماية المجال الديني من الفوضى. هذا الاستقرار لم يكن عفويًا، بل كان خيارًا علميًا مرتبطًا بوحدة المجتمع وضبط الخلاف.
التحول بدأ حين أُعيد تعريف المسألة كاختبار ولاء. لم يعد السؤال: ما وجه استدلال المالكية؟ بل صار: من يمثل السنة؟ ومن يخضع “للدين الرسمي”؟ بهذه الصياغة تُستبدل قواعد الخلاف بأدوات التعبئة. ويُختزل التدين في علامة ظاهرية قابلة للتوظيف.
الحركات الإسلاموية تدرك قيمة الرموز اليومية. هيئة اليدين مرئية ومتكررة. يسهل تحويلها إلى مؤشر تمايز داخل المسجد. ومع خطاب تشكيكي في العلماء والمؤسسات، يصبح الفعل التعبدي رسالة سياسية صامتة. هنا لا يُناقش الدليل بقدر ما يُبنى وعيٌ جماعي يقوم على ثنائية حادة: “نحن أهل الاتباع” مقابل “هم أهل التقليد”.
هذا المنطق لا يخدم الفقه والدين الخالص. يخدم بناء كتلة اجتماعية متماسكة داخل المجتمع، تتلقى مرجعيتها من شبكات عابرة للحدود. ومع الوقت يُنقل مركز السلطة الرمزية من العلماء الوطنيين إلى خطاب تنظيمي خارجي. النتيجة هي ازدواج المرجعية وتفكيك الثقة في المؤسسات الدينية.
أخطر ما في هذا المسار أنه يبدأ بتفصيل تعبدي وينتهي بإعادة تعريف العلاقة مع الدولة. من يشكك في إمام المسجد وبالمجلس العلمي وبباقي المؤسسات المشرفة على الشأن الديني، بدعوى مخالفتها “السنة”، يسهل عليه لاحقًا التشكيك في المنظومة الدينية كلها. هذه ليست فرضية نظرية، بل مسار متكرر في تجارب الحركات المؤدلجة.
ينبغي التمييز بوضوح بين خلاف فقهي معتبر وبين مشروع لإعادة هندسة المجال الديني. قد يقول معترض غمر من حق الفرد أن يعمل بقول فقهي يراه راجحًا ضمن أدب الخلاف، نعم، لكن ليس من حق أي تنظيم تحويل ذلك إلى أداة فرز أخلاقي أو معيار تفاضل إيماني أو منصة تشهير بالمذهب السائد، والطعن في الاختيار الديني المغربي.
المرجعية المالكية في المغرب ليست مجرد اختيار تقليدي. هي إطار لحفظ وحدة التدين العام وتقليل الاستقطاب. الهجوم المنظم عليها، ولو عبر مسألة جزئية، هو في جوهره اختبار لقدرة الحركات الإسلاموية على اختراق المجال الديني وإعادة تعريف شرعيته.
معالجة هذه الظاهرة الخطيرة ليس فقط بالمذكرات التي لا يلتزم بها بعض المخترقين، بل بإجراءات علمية وقانونية ضمن استراتيجية واضحة:
-بيان أرجحية الاختيار المغربي في التدين في جميع المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية…
-تثبيت الثقة في العلماء والمؤسسات عبر خطاب فقهي رصين وواضح.
-كشف آلية التسييس التي تحول الفرع إلى شارة ولاء، وفضح مخططاتها للمغاربة.
-تحصين المساجد من خطاب الفرز والاستقطاب.
هيئة اليدين في الصلاة لا ينبغي أن تكون بيانًا سياسيًا. حين تُستعمل العبادة أداة اصطفاف، يُفرَّغ الخلاف من طبيعته العلمية ويُحمَّل ما لا يحتمل.
حماية وحدة المرجعية الدينية الوطنية ليست موقفًا إداريًا، بل ضرورة لحفظ السلم الأهلي ومنع تحويل التفاصيل التعبدية إلى ساحات صراع هوية، أو خدمة لأجندة خارجية عابرة للحدود.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...