من القرار الأممي إلى القرار السيادي: قراءة استراتيجية في المرحلة الانتقالية لملف الحكم الذاتي

14 يناير 2026

محمد الغيث ماء العينين

إن ما يجري اليوم في ملف الصحراء المغربية ليس حالة انتظار ولا فراغ قرار، بل لحظة مخاض استراتيجي دقيقة، يتم فيها الانتقال الهادئ من تثبيت المرجعية الدولية إلى إعداد شروط التفعيل السيادي. فبعد القرار الأممي 2797، لم يدخل المغرب زمن الصمت، بل زمن الضبط، حيث يُعاد ترتيب عناصر الفعل، وتُهيَّأ شروط الانتقال من القرار إلى الأثر، في إطار تحكم صارم في الإيقاع وتقدير دقيق لحدود الممكن في المرحلة الانتقالية.

ومن هذا المنظور، لا يُقاس القرار الاستراتيجي بسرعة الإعلان عنه، ولا بطول فترة الإعداد، بل بقدرة الدولة على التحكم في الحركة والمناورة، وضبط إيقاع الانتقال من الاعتراف الدولي إلى الترجمة العملية، بما يحافظ على المبادرة ويمنع الانزلاق نحو قراءات متسرعة أو تأويلات خارج سياقها. فإدارة الزمن هنا ليست انتظارًا سلبيًا، ولا استعجالًا محفوفًا بالمخاطر، بل فعلٌ محسوب يوازن بين متطلبات النضج الداخلي وانتظارات الشركاء الدوليين.

إدارة الزمن الاستراتيجي: حين يصبح التوقيت جزءًا من القرار

بهذا المعنى، لا يمكن فهم المرحلة الحالية إلا باعتبارها جزءًا من القرار نفسه، لا ما بعده. فالقرار الأممي، كما الخطاب الملكي الذي تزامن معه، حدّدا الإطار المرجعي النهائي للحل، لكنهما في الآن ذاته فتحا مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من الشرعية الدولية إلى الفعل السيادي المنظم.

التجربة المغربية في هذا الملف تُظهر أن التحولات الكبرى لم تكن يومًا ردود فعل، بل نتائج إعداد تراكمي، يُقدَّم فيه القرار عندما تكتمل شروطه السياسية والمؤسساتية، لا عندما يفرضه ضغط الظرف أو إيقاع الإعلام. من هنا، فإن ما يُقرأ أحيانًا كـ«صمت» هو في الواقع اشتغال داخلي على مستوى عالٍ من الضبط، يهدف إلى تحصين الخطوة المقبلة من أي ارتجال أو ثغرات لاحقة.

توقيت الإعلان: الفراغ الذي لا يُترك طويلًا

في الممارسة الدبلوماسية الأمريكية، وخصوصًا في السياقات التي تلي قرارات أممية حاسمة، لا يُحبَّذ ترك الفترات الانتقالية مفتوحة دون أفق. فالفراغ الطويل، حين يتجاوز حدّه الوظيفي، يتحول من أداة ضبط إلى عنصر إرباك، وقد يُستثمر لإعادة طرح خيارات متجاوزة أو إحياء نقاشات تم حسمها سياسيًا.

انطلاقًا من هذا المعطى، ومن طبيعة التنسيق المغربي–الأمريكي في هذا الملف، يبدو راجحًا أن المغرب لن يطيل أمد المرحلة الانتقالية إلى حد يُفقد القرار الأممي زخمه. ليس استعجالًا، بل حفاظًا على المبادرة. وفي هذا الإطار، يندرج ترجيح تقديم المقترح المغربي النهائي في أفق زمني قريب نسبيًا، يضمن استمرارية الدينامية، ويحول دون تآكل أثر القرار.

مضمون المقترح: وضوح السيادة واتساع الصلاحيات

المقترح المنتظر لا يُتوقع أن يكون مجرد تحيين شكلي لمبادرة 2007، بل صيغة أكثر نضجًا، تستوعب التحولات الدستورية التي عرفها المغرب منذ 2011، وتجربة الجهوية المتقدمة، وسياقًا دوليًا لم يعد يبحث عن «حل ممكن»، بل عن تنزيل عملي لحل محدد المعالم.

نحن، على الأرجح، أمام حكم ذاتي موسّع فعليًا، بصلاحيات واسعة في مجالات التنمية، والتدبير الاقتصادي والاجتماعي، والثقافة، مع تثبيت صارم للاختصاصات السيادية غير القابلة للتفويض. الجديد لن يكون في المبدأ، بل في الهندسة: تمثيلية أوسع، إدماج للفئات الصاعدة، وربط الحكم الذاتي بمشروع وطني أشمل لإعادة توزيع ممارسة السلطة داخل الدولة، لا باعتباره استثناءً جغرافيًا أو تنازلًا ظرفيًا.

ردود الفعل المتوقعة: الرفض بلا بدائل

في المقابل، من المرجح أن تستمر البوليساريو، ومعها الجزائر، في خطاب الرفض أو القبول المشروط. غير أن هذا الرفض لم يعد يحمل نفس الوزن السياسي أو التفاوضي. القرار الأممي الأخير نقل الملف من مرحلة البحث عن الخيارات إلى مرحلة دعم خيار واحد واضح، ما يجعل أي موقف رافض أقرب إلى رد فعل دفاعي منه إلى ورقة ضغط فعالة.

من القرار إلى الأثر: مسار لا لحظة

تنزيل الحكم الذاتي، متى أُعلن عنه، لن يكون لحظة واحدة، بل مسارًا متدرجًا، تُواكبه دينامية دولية هادئة، لكنها عملية. الدعم الأمريكي والغربي، في هذا السياق، لن يكون بالضرورة صاخبًا أو إعلانيا، بل وظيفيًا: سياسيًا، مؤسساتيًا، وتنمويًا، بما يحول الحكم الذاتي من مقترح تفاوضي إلى واقع قابل للحياة.

خاتمة: الطمأنة عبر الفهم

ما نعيشه اليوم ليس زمن تردد، بل زمن إعداد محسوب للانتقال من القرار الأممي إلى القرار السيادي، ومن الاعتراف الدولي إلى ترتيب الأثر العملي. وفي هذا الأفق، يصبح كسر منطق الانتظارية شرطًا للفهم، لا لمجرد المتابعة.

المرحلة المقبلة لن تُقاس بسرعة الإعلان، بل بمدى قدرة المغرب على تقديم مقترح يُغلق باب العودة إلى الخلف، ويفتح أفقًا جديدًا للاستقرار، بمنطق هادئ، محسوب، وسيادي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...