من الفصل إلى المسخ: طبقات التدمير الحداثي للإنسان والمعرفة والاجتماع
القرآن والبحث والباحث والمبحوث (الجزء الثالث)
من الفصل إلى المسخ: طبقات التدمير الحداثي للإنسان والمعرفة والاجتماع
الدكتور رفيق الناوي
مدخل: حين لا يكفي التشخيص السطحي
إذا كانت المقالة الأولى قد وقفت عند معنى الأزمة وموقع السؤال، والمقالة الثانية قد ناقشت التفاعل بين العوامل الخارجية والداخلية في تشكيل هذه الأزمة، فإن هذه المقالة تنزل إلى طبقة أعمق: إلى بنية الأزمة ذاتها، إلى الآليات التي تشتغل في الخفاء وتُنتج ما نراه على السطح من تفكك وتشظٍّ وعجز.
ذلك أن الأزمة التي نُعالجها ليست حادثة طارئة ولا انزلاقاً عرضياً، بل هي سيرورة ذات بنية قابلة للتحليل والفهم. وفهمها يستلزم تمييز طبقاتها المتراكبة: من الفصل إلى الإذابة إلى التبخير إلى المسخ -وهي طبقات لا تتتالى زمنياً فحسب، بل تتداخل وتتعمق وتُنتج بعضها في ديناميكية تصاعدية تنتهي إلى تشويه جوهر الإنسان ذاته.
غير أن البداية تستلزم تنبيهاً منهجياً: الفصل في هذا السياق عرَض بنيوي لا علة نهائية. وهذا التمييز ليس تحفظاً أكاديمياً بل موقف تحليلي حاسم يُحدد طبيعة العلاج؛ فمن يُشخّص الفصل علةً نهائية يكتفي بمعالجة الأعراض، أما من يُشخّصه عرَضاً لاختلال أعمق فإنه يتجه إلى الجذر.
أولاً: الفصل؛ الشرخ الأول في وحدة الإنسان
الفصل، بالمعنى الذي يشتغل به هذا البحث، ليس مجرد تمييز إجرائي بين حقول المعرفة أو تخصصات العلم -فذلك أمر مشروع بل ضروري في بعض وجوهه. الفصل المقصود هو ذلك الشرخ العميق الذي أحدثه المشروع الحداثي في وحدة الإنسان الوجودية: حين فُصل عن ربه، وفُصل العقل عن الوحي، وفُصل العلم عن الغاية، وفُصلت المعرفة عن القيمة، وفُصل الجسد عن الروح، وفُصل المجتمع عن مرجعيته المولِّدة.
هذا الفصل له تاريخ فكري موثّق. لقد بدأ مع مشروع التنوير الأوروبي الذي رفع شعار تحرير العقل من وصاية اللاهوت -وهو شعار يحمل في سياقه التاريخي الأوروبي مسوّغاته، لكنه حين صُدِّر كونياً تحوّل إلى مشروع لنزع المرجعية المتعالية عن الإنسان في كل السياقات وكل الثقافات. وقد أفضى هذا النزع إلى ما أسماه فيبر Entzauberung der Welt -نزع السحر عن العالم -أي تحويل الكون من فضاء مفعم بالمعنى والدلالة إلى نظام من العمليات القابلة للقياس والحساب (Weber, 1919/1946).
والفصل في أساسه ليس مجرد خسارة دينية -أي خسارة البعد الإيماني وحده -بل هو خسارة معرفية ووجودية: فحين يُفصل الإنسان عن مصدر معناه الأول، تفقد معرفته وجهتها، وتفقد إرادته قِبلتها، ويجد نفسه أمام كثرة الأدوات وفقر الغايات. وهذا تحديداً ما رصده هوركهايمر وأدورنو حين أشارا إلى أن التنوير -رغم وعوده التحريرية -أفضى إلى عقل يُسيطر على الطبيعة لكنه عاجز عن أن يمنح هذه السيطرة معنىً يستحق السعي إليه (Horkheimer & Adorno, 1947/2002).
أما في سياقنا المخصوص -سياق المثقف الباحث المسلم -فإن الفصل يتجلى في صورة مخصوصة: حين يُعلّق الباحث مرجعيته القرآنية عند باب المختبر أو مكتب الكتابة، ويشتغل في إنتاج المعرفة وكأن القرآن لا علاقة له بكيفية بناء السؤال أو توجيه المنهج أو تقويم المآل. هذا التعليق الذي يبدو تلقائياً وطبيعياً هو في جوهره حصيلة تدريب منهجي طويل على الفصل، تدريب لم يُفرض بالإكراه دائماً بل جرى استيعابه بوصفه شرط الجدية العلمية والرصانة الأكاديمية.
ثانياً: الإذابة؛ حين تتحوّل المرجعية إلى موضوع تفاوض
لو توقف الأمر عند الفصل لكان الأمر -وإن كان خطيراً -قابلاً للمعالجة بمجرد إعادة الوصل. لكن المشروع الحداثي المعولم لا يتوقف عند الفصل، بل يمضي إلى ما هو أعمق: إلى إذابة المرجعية ذاتها.
والفارق بين الفصل والإذابة فارق حاسم ينبغي ألا يُهمل: في الفصل تبقى المرجعية قائمة لكن العلاقة بها مقطوعة -كالجذر الذي لا يُروى فيجفّ. أما في الإذابة فإن المرجعية ذاتها تفقد صلابتها وتتحول إلى موضوع تفاوض دائم؛ لا يُنكَر وجودها صراحةً، لكنها تُعامَل كما يُعامَل سائر الخيارات الثقافية في سوق المعاني: تُختار أو تُهجر، تُؤخذ منها ما يناسب ويُترك ما لا يناسب، وتُقدَّم بوصفها موروثاً ثقافياً لا أصلاً مؤسِّساً.
هذا هو بالضبط ما رصده زيغمونت باومان في تحليله لـالحداثة السائلة (Liquid Modernity): عالم تذوب فيه الثوابت وتصبح المرجعيات الكبرى رهينة الاختيار الفردي المتحول (Bauman, 2000). وفي هذا العالم لا يختفي الدين والمرجعية الروحية، لكنهما يُعالَجان بمنطق الاستهلاك: يُختاران حين يمنحان راحةً أو هوية أو إحساساً بالانتماء، ويُتركان حين يُحدثان التزاماً أو يفرضان مسؤولية.
وفي سياق الباحث المسلم تحديداً، تظهر الإذابة في صورة النسبية المعرفية المقنّعة: حين يُقبل ضمنياً أن القرآن مرجعية بين مرجعيات، وأن المنهج العلمي الحديث يُقدّم اعترافاً معادلاً أو أقوى. وهذا لا يعني بالضرورة إنكار القرآن، بل تحويله من حاكم إلى خيار، من أصل إلى مصدر من مصادر، من أفق مؤسِّس إلى مكوّن ثقافي يُضاف إلى غيره في تركيبة معرفية تنتهي إلى أن لا شيء فيها يُؤسّس حقاً.
ثالثاً: التبخير؛ حين تتحول المرجعية إلى أثر رمزي هائم
إذا كانت الإذابة تُبقي المرجعية في دائرة التفاوض، فإن التبخير يُخرجها من هذه الدائرة كلياً. في التبخير لا تنتهي المرجعية بالإنكار الصريح -وذلك نادر في سياقات الثقافة الإسلامية -بل تتحول إلى ما يمكن أن يُسمّى بخاراً ثقافياً: حاضرة في الهواء الذي يتنفسه الناس لكنها غير مرئية، مستحضَرة في المناسبات الرمزية لكنها غائبة عن المجال التكويني.
والتبخير في تجلياته المعاصرة يأخذ أشكالاً متعددة:
- الاحتفال الرمزي الفارغ: حين يُستشهد بآيات القرآن في افتتاح المؤتمرات العلمية ثم يُنسى أثناءها، وحين تُرفع الشعارات الإسلامية في خطابات المؤسسات التعليمية ثم تغيب عن مناهجها الفعلية. هذا الاستشهاد لا يكذب لكنه لا يُؤسّس؛ يُشير إلى المرجعية دون أن يُلزم بها.
- الهوية الانتمائية بلا إلزام معرفي: حين يُعرّف الباحث عن نفسه بوصفه مسلماً كهوية انتمائية، لكن هذا الانتماء لا يُترجَم إلى سؤال عن كيف يُؤسّس القرآن منهجه أو يوجّه بحثه. الانتماء هنا موروث ثقافي لا التزام تكويني.
- توظيف القرآن في الخلافات لا في البناء: حين يُستحضر القرآن أداةً للتبرير في الخصومات الأيديولوجية والسياسية، لكنه لا يُستحضر منبعاً للسؤال الأصيل في مشاريع البحث والتأليف. فالمرجعية تُستدعى للدفاع لا للتأسيس، للاحتجاج لا للهداية.
في جميع هذه الصور، لا يغيب القرآن غياباً مادياً -فهو حاضر في الكتب والمساجد والخطاب العام -لكنه يغيب وجودياً عن المكان الذي يُنتج فيه الإنسان معرفته وسؤاله ورؤيته. وهذا هو التبخير بعينه: المرجعية التي تملأ الهواء دون أن تُقيم الصرح.
رابعاً: المسخ؛ حين يُعاد تشكيل الإنسان خارج أصله
المسخ هو الطبقة الأعمق والأشد خطورةً في هذه السيرورة، ولا يمكن فهمه دون استيعاب الطبقات السابقة لأنه ثمرتها المتراكمة. فحين يتمّ الفصل ثم الإذابة ثم التبخير، لا يبقى الإنسان إزاء مرجعية مفصولة عنه أو مُذابة أو متبخرة فحسب، بل يتحول الإنسان ذاته -في أحيان كثيرة -إلى كيان مُعاد التشكيل وفق صورة مغايرة لأصله.
والمسخ هنا ليس استعارة أدبية بل مفهوم أنطولوجي دقيق: إنه إعادة تشكيل الإنسان من حيث معناه وهويته وعلاقته بذاته وبالآخرين وبالوجود، وفق منطق يستمد مقاصده من خارج المرجعية التي تُعرّف الإنسان في أصله. والمسخ لا يُعلن عن نفسه بهذا الاسم، بل يجري دائماً تحت مسمّيات التحرر والتقدم والعقلانية والتطور.
ويتجلى المسخ في ثلاثة مستويات متداخلة:
- المستوى الأول: مسخ صورة الإنسان في المعرفة.
حين تشتغل العلوم الإنسانية والاجتماعية وفق نماذج تُقدّم الإنسان بوصفه كائناً مادياً محكوماً بالغرائز والمصالح والبنى الاجتماعية، أو بوصفه كائناً نصياً تنتجه الخطابات وتُشكّله السلطات، يكون الباحث المسلم الذي يُوظّف هذه النماذج بلا فحص ولا نقد قد أسهم في إنتاج صورة عن الإنسان لا تعترف بمقامه الاستخلافي ولا بحمله للأمانة ولا بكونه مخلوقاً يحمل في أصله ما يتجاوز المادي والاجتماعي. وبذلك لا يكتفي الباحث بأن يُغفل مرجعيته، بل يُسهم في إنتاج معرفة تُعيد تشكيل موضوعه على صورة مغايرة لأصله.
- المستوى الثاني: مسخ العلاقات الاجتماعية والرابط الإنساني.
حين تُنظّم الحياة الاجتماعية وفق منطق السوق والأداء والمصلحة الفردية المحسوبة، تتحول العلاقات الإنسانية من روابط قوامها الوجود المشترك والمعنى المشترك إلى تعاملات وظيفية يقيسها منطق التبادل. وهذا ما وصفه سيمل بـ”ثقافة المال” التي تُسرّع نمطاً معيناً من الحياة يُضعف العلاقات الدافئة ويُقوّي العلاقات الباردة الحسابية (Simmel, 1900/2011). والمسخ في هذا المستوى ليس في غياب العلاقات بل في تحوّل طبيعتها: في أن يبحث الإنسان عن الآخر لا لذاته بل لما يُقدّمه.
- المستوى الثالث: مسخ علاقة الإنسان بذاته.
وهذا ربما أشد المستويات خطورةً وأصعبها رصداً. ففي منظومة الحداثة المتأخرة وما بعدها، يُصبح الإنسان موضوعاً لمشروع دائم من إعادة اختراع الذات (reinvention of the self)، مشروع لا يستند إلى أصل ثابت بل إلى سوق الهويات المتاحة. والذات هنا لا تُكتشف بل تُستهلك: تُختار هويتها من قوائم الممكنات، وتُعاد تشكيلها وفق منطق الصورة والأداء أمام الآخرين. وهذا ما وصفه جيل ليبوفيتسكي بـ”عصر الفراغ”؛ عصر يكون فيه الإنسان حراً في كل شيء إلا في أن يكون شيئاً ذا معنى مستقر (Lipovetsky, 1983/2005).
خامساً: المسخ بوصفه علة مولِّدة -الحلقة المفرغة
ما يجعل المسخ أخطر الطبقات هو أنه لا يقف عند نفسه بل يتحول إلى علة مولِّدة لأعراض جديدة. فحين تتشكّل المؤسسات التعليمية والبحثية وفق منطق يحمل في بنيته صورة المسخ -صورة الإنسان المقتلع من مرجعيته -فإنها تُعيد إنتاج هذه الصورة في الأجيال القادمة. والباحث الذي تشكّل في هذه المنظومة يُنتج بدوره معرفةً تُكرّس ما تشكّل به، وهكذا تدور الحلقة.
وهذا يعني أن كسر الحلقة لا يتم بإصلاح جزء منها -كتغيير مناهج أو استبدال مقررات -بل بالعودة إلى المستوى الذي ينتج المنظومة كلها: مستوى الرؤية الكلية للإنسان وللمعرفة وللغاية. وهذا بالضبط ما يُبرر مركزية القرآن في هذا المشروع: لا بوصفه كتاباً يُضاف إلى مكتبة الباحث، بل بوصفه الأفق الذي يُعيد الإنسان إلى موقعه الحقيقي قبل أن يبدأ أي بناء معرفي.
سادساً: ملاحظة منهجية ضرورية
قبل ختام هذه المقالة، ثمة ملاحظة منهجية لا بد منها حتى لا يُساء فهم هذا التحليل:
الطبقات الأربع -الفصل والإذابة والتبخير والمسخ -ليست مراحل زمنية صارمة تتتالى بشكل خطي، بل هي مستويات تحليلية تتداخل وتتفاوت في حضورها بحسب السياق والمجال والفرد. وليس المقصود أن كل باحث مسلم قد وصل إلى مرحلة المسخ، بل أن هذه الطبقات تمثل مساراً ممكناً حين لا تُعالَج الاختلالات في مراحلها الأولى.
كما أن استخدام مصطلح المسخ هنا لا يحمل حكماً أخلاقياً على أفراد بعينهم، بل هو وصف لحالة وجودية تُنتجها منظومة حين تشتغل بمنطقها الكامل. والوعي بهذه الحالة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها.
خاتمة: من التشخيص إلى الأفق
ختاماً، ما تُقدّمه هذه المقالة ليس تشاؤماً حضارياً ولا حكماً نهائياً على واقع لا فكاك منه. هو في جوهره خريطة للاختلال ترسم الطريق إلى موضع الداء حتى يُستهدف العلاج في مكانه الصحيح.
فمن يفهم أن الفصل عرَض لا علة نهائية، سيبحث عما أنتجه قبل أن يكتفي بوصله. ومن يفهم أن الإذابة أعمق من الفصل، سيُدرك أن المطلوب ليس مجرد استعادة المرجعية بل إعادة بنائها في وعي حيّ لا في خطاب رسمي. ومن يفهم أن التبخير أشد غموضاً من الإذابة، سيُدرك أن أخطر أشكال الغياب ما يُشبه الحضور. ومن يفهم أن المسخ ليس مجرد اختلال جزئي بل إعادة تشكيل للإنسان ذاته، سيُدرك أن الإصلاح لا يبدأ من المناهج بل من الرؤية الكلية التي تُولّد المناهج.
وهنا يُصبح السؤال عن القرآن بوصفه أفقاً مؤسِّساً ليس سؤالاً دينياً ضيقاً بل سؤالاً حضارياً جذرياً: هل ثمة رؤية للإنسان تُعيده إلى وحدته الوجودية، وتمنح معرفته وجهتها، وتُحرّر بحثه من تبعيته دون أن تُغلقه على نفسه؟
هذا هو السؤال الذي ستشتغل عليه المقالات اللاحقة، كل واحدة في موضعها من البناء.
تُعالج المقالة الرابعة الوجه الأكثر التصاقاً بحياة الباحث المسلم اليومية: الفصام الداخلي بين الانتماء القرآني والممارسة البحثية، وكيف تتجلى الطبقات الثلاث السابقة في شخص الباحث ومؤسسته وسؤاله.
المصادر:
Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity. Polity Press.
Horkheimer, M., & Adorno, T. W. (1947/2002). Dialectic of Enlightenment: Philosophical Fragments. Stanford University Press.
Lipovetsky, G. (1983/2005). The Era of the Void: Essays on Contemporary Individualism. Gallimard. [English trans. Bartleet & Sturrock, Princeton University Press].
Mignolo, W. D. (2000). Local Histories/Global Designs. Princeton University Press.
Simmel, G. (1900/2011). The Philosophy of Money. Routledge.
Taylor, C. (2007). A Secular Age. Harvard University Press.
Weber, M. (1919/1946). Science as a Vocation. In H. H. Gerth & C. W. Mills (Eds.), From Max Weber: Essays in Sociology. Oxford University Press.
التعليقات