ملاحظات حول أحداث نهائي كأس إفريقيا
محمد الزهراوي. أستاذ العلوم السياسية
أظهرت الأحداث الدراماتيكية التي وقعت خلال المباراة النهائية لكأس افريقيا، أن الأمة المغربية مستهدفة من طرف خصوم تقليديين لا وزن لهم، وانظمة مفلسة تقتات على “خطاب الازمة” و”شعارات العدو الخارجي” وهي شعارات تعود الى أزمنة غابرة، كما اكتشف المغاربة خصوم جدد أو بالاحرى ” أصدقاء وحلفاء مزيفون “بعدما ظلوا لسنوات يضعونهم في خانة الاصدقاء والحلفاء بطريقة سادجة خاصة على المستوى الشعبي هما افارقة وعرب. ودون الخوض أو الوقوف عند المشاهد المقززة ولغة وعبارات التشفي والفرح والسرور التي أظهرها ” الإخوة” و” الاشقاء”، والتي تعكس ” سيكولوجية المقهور” اذا ما تم مقاربتها من زاوية الأبحاث السيكولوجيا ووالسوسيولوجية، فيمكن الاشارة إلى الملاحظات التالية:
أولًا، التحلّي باليقظة والحكمة يظلّان من الضروريات في هذه المرحلة، تفاديًا لتكرار نموذج جنوب إفريقيا. إذ تبدو هناك محاولات لجرّ السنغال نحو المحور المعادي، خاصة في ظل صعود رئيس شاب ذي ميولات يسارية، وله ماضٍ قاسٍ وتجارب صعبة، من بينها السجن وغيرها. فالرئيس السنغالي الحالي ينتمي إلى جيل سياسي شاب صعد من خارج النخب التقليدية، وتشكل وعيه السياسي في سياق اجتماعي وسياسي متوتر، تخللته تجربة الاعتقال والسجن. وهو يحمل خطابًا نقديًا حادًا تجاه المنظومة القديمة، مع ميولات يسارية وشعبوية تركز على السيادة الوطنية ومراجعة العلاقات مع الشركاء التقليديين.
ثانيًا، كل المؤشرات تنذر ببداية بروز “متغير طارئ” في السياسة الخارجية السنغالية؛ متغير غير ثابت وغير ظاهر، لكنه في طور التشكل، وهو نتيجة عمل مستمر لنظام عسكري يوظف مختلف الأساليب القذرة ويستثمر رصيده التاريخي والرمزي. لقد خسر المغرب الكأس، ولم يخسر صورته الحضارية التي تشكلت عبر قرون، غير أن الحكمة تقتضي ألا يخسر جميع أوراقه وحلفاءه مثل دكار، فمعركة السنغال اليوم هي مع الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم(الكاف)، وبالتالي فإن مسألة العقوبات لا تستدعي من المغرب إضاعة الوقت في قضايا لا تخدم مصالحه المباشرة، الدفاع عن حقوق المغاربة مؤطر وفق سقف القانون وفقط، أما إذا ما وجدت السنغال نفسها، بعد هذه التطورات، وبالنظر إلى العقوبات المتوقعة، منخرطة في المحور الجزائري لتبرير ما وقع، أو اختار الرئيس السنغالي إدارة ظهره للمغرب، فذلك خيار سيادي تتحمل تبعاته دكار وحدها. وفي كل الأحوال، يظل المغرب لاعبا محوريا في القارة وله أوراق متعددة وخيارات بديلة، ولا يشكّل هذا السيناريو عنصر تهديد حقيقي، خاصة أنه خيار متوقَّع ضمن منطق التحولات الإقليمية الراهنة، لكن، تفاديه يعتبر عنصر قوة يفوت على الخصوم فرصة توسيع دائرة المناصرين.
ثالثًا، من الخطأ الاستمرار في النظر إلى بعض الأصدقاء والحلفاء التقليديين بالمنظور نفسه؛ إذ أصبح من الواضح أننا في حاجة إلى إعادة قراءة علاقاتنا بأدوات تحليل جديدة، تتجاوز الكليشيهات أو الصور النمطية الجاهزة، التي غالبًا ما تكون مضللة، مثل التعويل المفرط على تأثير الزاوية التيجانية وغيرها من التوصيفات المبسطة والمتجاوزة. من الواضح، أن هناك تحولات جرت وتجري دون أن ننتبه إليها في مرحلة ما ونحن منشلغون بأمريكا ترامب وفرنسا ماكرون واسبانيا، هي استراتيجية جعلت المملكة تقارع الكبار لاعادة ترتيب أوراقها لتحصين الوحدة الترابية على الرقعة الدولية، بينما، الخصوم بعد عزلتهم واشتعال النيران على حدودهم خاصة على الساحل والصحراء، لم يجدوا غير السينغال باعتبارها الحليف التقليدي للمغرب.
رابعًا، لا يمكن لأي دولة أن تنظم تظاهرة قارية كبرى، في حين يتابع جمهورها تفاصيل البطولة وأخبارها وتحليلاتها عبر إعلام أجنبي. فقد أصبح الجمهور المغربي ضحية وزبونًا في الآن نفسه، بعدما بات مطلوبًا منه رفع نسب المشاهدة في بلاطوهات ومنصات إعلامية لدولة متخلفة عنا اقتصاديًا واجتماعيًا.
خامسًا، معركة المغرب ليست مع الشعب الجزائري، بل مع نظام عسكري يقتات على الصراع وعقيدته العدائية ترتكز على إفتعال الأزمات مع الجوار، ومحاولة تصدير أزمته الداخلية للتغطية على فشله الذريع في رفع رهان التنمية. نظام يعادي كل شيئا؛ السلام والتنمية وحسن الجوار، ويعتنق مذهب الصراع و التصادم والمؤمرات، نظام وفي لعقيدته وتوجهاته التي تجعل موراد وخيرات شعب الجزائر وسيلة لاضعاف المغرب، عوض أن تكون رافعة للتنمية والازدهار.
سادسًا، شنت الجزائر حملة دعائية مكثفة سعت من خلالها إلى بلورة بروباغندا هدفها ترويج الأكاذيب والإشاعات والتشويش، بغية التقليل من صورة المملكة، خاصة بعدما كسب المغرب معركة الصورة بفعل جودة الملاعب، وتطور الطرقات القطارات والمطارات، وقوة البنية التحتية عمومًا. حيث، وجدت الجزائر نفسها، خصوصًا في الأيام الأولى، في وضعية محرجة ومعزولة، بعد الانتشار الواسع لمقاطع فيديو لصُنّاع المحتوى الذين عبّروا عن انبهارهم بالبنية التحتية المغربية وما بلغه المغرب من تقدم. هذا الواقع أضعف السردية الجزائرية، ودفعها إلى التركيز بشكل مكثف على كرة القدم والملاعب والتحكيم، في محاولة للتشويش وشحن وشيطنة الرأي العام الافريقي ضد المغرب.
سابعًا، إن التمدد المغربي في إفريقيا يعتمد على مجموعة من الأدوات الناعمة، من بينها نشر التدين المغربي وكرة القدم، غير أن الجزائر تحاول اليوم إضعاف هذا الامتداد من خلال استهداف هذه العناصر. غير أن العامل الحاسم في معادلات النفوذ يظل مرتبطًا بالمعطيات التجارية والاقتصادية، وقد قطع المغرب اشواطا كبيرة في الجانب، مما يستدعي المحافظة وترصيد هذا المكتسبات التي تؤطر التمدد المغربي في غرب وشرق افريقيا ودول الساحل، إذ بواسطتهم دفعت فرنسا دفعا الى الهامش وازاحتها من التنافس( تغطية الاعلام الفرنسي يفسر ذلك)وفي هذا السياق، فإن مظاهر العنف المرتبطة ببعض المشجعين السنغاليين تعكس قابلية المواطن الإفريقي للاستغلال والشحن حين تُوظف المشاعر والهويات بشكل سلبي. وهنا تبرز ضرورة الحد من الانزلاق نحو خطاب التمييز أو ممارسات عنصرية، إذ لا يمكن للمغرب أن يفرّط في رصيده الاقتصادي، ولا في مجهوداته المتراكمة وتغلغله في إفريقيا، بسبب انفعال مرتبط بمناسبة كروية أحدثت أبعادًا كان من المفترض ألا تبلغ هذا المستوى. صحيح أن هذه الأحداث أثّرت على معنويات اللاعبين والجمهور المغربي، لكنها لا يجب أن تتخذ أبعادًا أخرى تتجاوز حدود الرياضة وتنعكس سلبًا على المصالح الحيوية والاستراتيجية للمملكة.
ثامنًا، ما وقع في النهائي، في جزء منه، كان نتيجة تآمر وحملة دعائية جزائرية راهنت على الدفع باستغلال غضب الاتحاد السنغالي، عقب فشله في الحصول على مقعد داخل المكتب التنفيذي للفيفا خلال أبريل 2025. وقد عملت الجزائر على توظيف هذا الوضع، واستمالة الجانب السنغالي، والدفع نحو تصوير الأمر وكأنه تحكم بالكواليس وشراء للحكام. كما أن انخراط رئيس الاتحاد السنغالي في هذا المسار يمكن قراءته كردّ فعل أو انتقام تجاوز المنطق الرياضي بعد خسارته وعدم حصوله على المقعد المذكور.
على العموم، تبقى هذه التفاصيل والاحداث مؤسفة وغير مشجعة وفق السياق الراهن، لكن، الامر ليس كذلك، ليست مأساة أو تراجيديا، يمكن اعتبارها بمثابة نكسة، غير أن هذه النكسة يمكن للأمة المغربية أن تحولها إلى فرصة لإعادة النظر في جملة من القضايا، خاصة ما يتعلق ببناء الشخصية المغربية؛ شخصية لا تحتاج إلى اعتراف أو مديح من الآخر، شخصية واثقة من نفسها، ممتدة عبر الزمن، ولها إرثها السلطاني والإمبراطوري لقرون، ليس المغرب الكبير جزيرة، بل كيان امبرطوري ممتد من الصحراء إلى الأطلسي، حكم تاريخ أوروبا ما يقارب خمسة قرون. إن هذا الحدث يشكل مناسبة للانتقال من ردود الفعل الانفعالية إلى مزيد من البراغماتية في علاقة المواطن المغربي بالآخر. ومع مرور الوقت، لا مفر من الإقرار وبالاجماع، بأن المغرب قدّم تنظيمًا محكمًا وناجحًا، غير مسبوق في القارة الإفريقية، دون حاجة إلى مجادلة الآخرين، إذ تكفي الصور، ومقاطع الفيديو، والمباريات ذاتها للتعبير عن هذا المستوى الرفيع.
وفي المقابل، يفرض هذا الحدث أخذ مسافة من الحذر تجاه بعض الدول، وعلى رأسها مصر، التي ما زالت تتعامل ببراغماتية واضحة مع المغرب، وتحافظ على مسافة متوازنة في علاقتها بكل من المغرب والجزائر. وقد أظهر هذا المعطى، أن مصر ليست حليفًا ثابتًا للمغرب، ما يفرض على الرباط إعادة رسم خريطة تحالفاتها بدقة أكبر وبراغماتية مفرطة، مع استحضار التحولات الإقليمية الراهنة، وهو المنطق نفسه الذي تسعى الجزائر إلى توظيفه في محاولتها استمالة القاهرة على خلفية التطورات الجارية في إثيوبيا والصراعات والاصطفافات الجديدة في الشرق الاوسط.
التعليقات