مقتل سيف الإسلام القذافي يغذي الصراع المفتوح في ليبيا
علي البلوي
أكدت التقارير الصحفية مقتل سيف الإسلام القذافي في عملية اغتيال بالغة الدقة داخل مدينة الزنتان، وهي الواقعة التي لم تكن مجرد حادث جنائي، بل وصفتها صحيفة “الغارديان” البريطانية بأنها “تصفية لآخر التهديدات التي واجهت النخبة السياسية الحالية في ليبيا” وإغلاق لآخر مخارج نظام القوى المنقسمة.
وتؤكد المعلومات المسربة أن هذا التحول الدراماتيكي في المشهد جاء نتيجة استدارة كاملة في السياسة الخارجية الأمريكية عقب عودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة، حيث بدأت واشنطن تبحث عن “رجل قوي” يتجاوز إخفاقات خليفة حفتر وتشرذم القوى الإسلامية الموالية لتركيا، مما دفعها لفتح قنوات اتصال سرية ومباشرة مع سيف الإسلام القذافي.
وحسبما ذكرت تقارير في “نيويورك تايمز” وموقع “أتالايار” المتخصص في الشؤون الاستراتيجية، فإن هذه الاتصالات بدأت بلقاءات استكشافية في عواصم محايدة، حيث كان الجانب الأمريكي يسعى لضمان استقرار تدفق النفط الليبي ومواجهة التغلغل الروسي والصيني في المتوسط عبر شخصية تملك “شرعية تاريخية وقبلية” قادرة على توحيد البلاد.
هذه التحركات الأمريكية أثارت حالة من الاستنفار القصوى في باريس وبعض العواصم الإقليمية التي ترتبط مع فرنسا بتنسيق أمني وثيق؛ فبالنسبة للإدارة الفرنسية، كان صعود سيف الإسلام مجدداً يعني انفجار “الصندوق الأسود” الذي هدد بفتحه قبل ثلاثة أشهر فقط من مقتله، متوعداً بكشف تفاصيل الرشاوى المليارية التي دفعها والده لزعماء أوروبيين لتلميع صورتهم وتأمين مصالحهم السياسية مقابل تسهيل صفقات مشبوهة.
وأشارت صحف مثل “لوموند” ووكالات أنباء دولية إلى أن سيف الإسلام كان قد بدأ بالفعل في تسريب وثائق أولية للجانب الأمريكي كجزء من إجراءات بناء الثقة، تتضمن أدلة على تورط قوى إقليمية ودولية في إطالة أمد الفوضى الليبية لنهب ثرواتها.
هذا التقارب الأمريكي-القذافي شكّل “تهديداً وجودياً” لمصالح خليفة حفتر ولنفوذ القوى الإسلامية في الغرب، مما أدى إلى تلاقي مصالح هؤلاء الخصوم المحليين مع أجهزة استخبارات دولية تخشى الفضيحة.
إن تنفيذ عملية الاغتيال بعد ستة أيام فقط من اجتماع سري عُقد في باريس في 28 يناير 2026، ضم ممثلين عن معسكري حفتر والدبيبة برعاية فرنسية-أمريكية، يعزز فرضية “التطهير السياسي” التي تهدف لإزاحة سيف الإسلام من المعادلة نهائياً، وإغلاق ملف الأسرار المالية والسياسية التي كانت ستقلب الطاولة على عروش سياسية في أوروبا والمنطقة.
ويشير مراقبون استراتيجيون إلى أن هذا الاستعجال في تنفيذ عملية التصفية جاء عقب الدعم الاستثنائي الذي حصل عليه مدير المخابرات المركزية الأمريكية من الرئيس ترامب، والذي تضمن تعزيزاً غير مسبوق لدائرة العمليات الخارجية وتوحيد جهود كافة أجهزة الاستخبارات الأمريكية تحت استراتيجية “الحسم السريع” لإعادة هيكلة المنطقة.
هذا التوجه الأمريكي الجديد نحو التدخل الفاعل وتغيير الوجوه التي استنزفت رصيدها في ليبيا دفع القوى المحلية والإقليمية المتوجسة إلى التحرك فوراً لقطع الطريق على مشروع واشنطن الجديد، مما جعل من سيف الإسلام القذافي ضحية لسباق محموم بين رغبة أمريكية في التغيير وجدار صد استخباراتي دولي وإقليمي يرى في بقائه وكشف أسراره نهاية لمصالحه التاريخية في ليبيا.
التعليقات