مقتل القائد لحبيب: قراءة في انهيار جبهة البوليساريو

12 يونيو 2026

مصطفى بن عمور الحسني

ليس الموت في المعارك هو أعظم ما يخشاه المحاربون، بل الموت في غير ميدان، والانكسار قبل أن تلتقي الأسلحة والعزائم.

ذلك أن القائد الذي يسقط بسهم طائرة صامتة في ليل صحراوي لا يرحل وحده؛ يرحل معه جيل كامل من الأوهام التي بنتها الدعاية المغرضة ، وتنهار خلفه قلاع من الكلام لا من الحجر.

لقد كان القائد الشاب لحبيب محمد عبد العزيز ، نجل المؤسس الأول للجبهة، رمزًا للاستمرارية في حركة تعيش أزمة شرعية منذ رحيل الوالي مصطفى السيد قبل نصف قرن. لم يكن مجرد عسكري  يُحصي معاركه بالأصابع، بل كان الوريث الذي يُصلح خللاً في سلسلة القيادة، ويُهدئ من وجع التشظي الذي يتمزق به كيان البوليساريو منذ أن سقطت نظرية “الحرب الطويلة” أمام الجدار الرملي المبني بعزائم المغاربة وصبرهم على قضيتهم الكبرى .

وإنها لمفارقة تاريخية عجيبة: حركة انطلقت من رحم الصحراء لتقرير المصير، أصبحت قياداتها لا تقرر مصيرها بنفسها، وإنما تُستهدف بضربات جراحية دقيقة، تُفكر في جسدها قبل أن تُفكر في عقيدة نضالها وإنها عقيدة ضالة ….عقيدة تائهة بغرور .

إن نعي الجبهة لنجل مؤسسها بثلاثة أيام حداد، لا يخفي ما وراء الأيام من تشاؤم وارتياب. فالقيادات التي جمدتها الشيخوخة في المخيمات، لا تجد أمامها صفًا ثانيًا يُطمئن؛ لأن كل من كان يصلح للقيادة من الشباب إما سقط في الميدان، أو سقط في صراعات الخلافة التي هي أشد مضاضة وفتكا  من العدو.

وهنا تبرز القطيعة الكبرى بين الواقع الذي تعيشه البوليساريو وبين الخطاب الذي تذيعه: في الخارج، ما زالوا يتحدثون عن معارك التحرير….عجبي !!!. وفي الداخل، يجترئ المحللون على اتهام قيادتهم بإرسال القائد الشاب إلى مصيدة قاتلة ، تكرارًا لسيناريو الاغتيال الذي طال المؤسس الأول عام 1976. وإذا كان صحيحًا أن الشك يفسد العزائم، فإن اتهام القيادة بالخيانة هو الموت البطيء للحركة قبل أن يقتلها المغرب.

وأما على الصعيد السياسي، فالمأساة أعظم. لقد جاء ستافان دي مستورا إلى المخيمات وهو يظن أن لديه شريكًا في المفاوضات. فهاهو في  أول لقاء مباشر يجمعه بقيادة الجبهة الانفصالية منذ شهر شتنبر من سنة 2025 وقد تأكد أن الشريك لم يعد موجودًا، وإنما بقيت أصداء تتردد في خيام عالقة بين الرمال والنيّة.

ليس أدل على ضعف الموقف التفاوضي للبوليساريو من أن غارة واحدة بطائرة مسيرة ستبعثر أوراق مساعي المبعوث الأممي، وتثبتت للمغرب أن الجبهة لم تعد قادرة على حماية قادتها، فضلاً عن حماية قرارها السيادي.

وهنا تتجلى حكمة القول المأثور: إن كانت الأمم تموت حين تغتال آمالها، فإن الحركات الثورية تموت حين تغتال قادتها قبل أن تغتال أحلامها.

إن القائد الذي رحل لم يكن مجرد ضابط قيادي، بل كان آخر جسر بين الماضي الأسطوري للجبهة ومستقبلها المأمول. ومع انهيار هذا الجسر، تبقى البوليساريو أسيرة ماضيها، لا تستطيع المضي قدمًا لأن قادتها كبار في السن، ولا تستطيع العودة إلى الوراء لأن حدود الزمن لا تردها الذكريات.

وهكذا، حين يُسدل الستار على هذا المشهد من التراجيديا السياسية والعسكرية، لا يبقى أمام المرء إلا أن يقرأ النتائج كما تقرأ السطور في كتاب مكشوف.

لقد كان مقتل القائد الشاب إيذانًا بنهاية فصل لم يُكتب له الاستمرار، وناقوس خطر أعلن بصوت لا يقبل التأويل: أن الجبهة التي راهنت على الزمن خسرت الرهان، وأن الحركة التي ظنت أن الصحراء ستنحاز لها وجدت الصحراء شاهدة على انهيارها، بل وأعلنت ولاءها الحقيقي للمغرب الكبير من طنجة إلى الكويرة .

أما المغرب، فقد أثبت مرة أخرى أن حكمته في انتظار اللحظة المناسبة تفوق حمية الخصوم في استعجال النهايات. بضربة واحدة في لحظة حاسمة ، استطاع أن يزيح آخر عقبة رمزية في طريق تسوية لا تقبل المشاركة فيها بندًا اسمه “جيش تحرير” لا يملك من أمره إلا الخيام والشعارات.

وها هي آمال الحركة الانفصالية تذهب أدراج الرياح الخاسرة، تلك الرياح التي طالما هبت على المخيمات حاملة وعودًا كاذبة بأن النصر آتٍ لا محالة. فإذا بالرياح تعصف بأوراق الدعاية، وتكشف عن حقيقة مُرة: أن قادة البوليساريو لم يعودوا يملكون من أمرهم إلا رثاء الموتى وتعيين أيام للحداد.

لقد فات الأوان على من راهنوا على انقسام المغرب، أو على ولاء دول كبرى لقضية ولى عهدها. فالوقت الذي كان حليفًا للحركات التحررية في ستينيات القرن الماضي، أصبح عدوًا لمن تعلقوا بذيل الماضي وتشبثوا بسلاح لا ينفع أمام واقع يسنده التاريخ والجغرافيا وعزيمة المغاربة قيادة وشعبا .

وإنه ليُكتب لهذا الانتصار المغربي أن يخلد في سجل التاريخ، ليس لأنه انتصار مدوي على عدو قوي، بل لأنه انتصار هادئ على فوضى الأفكار وهمزات الحماقات التي أضاعت عقودًا من الزمن في صراع عقيم. انتصار يثبت أن الحكمة أقوى من الحماقة، وأن الحق لا يحتاج إلى طائرات مسيرة ليثبت وجوده، لكن الظلم يحتاج إلى طائرات مسيرة كي يرى حقيقة مصيره المحتوم.

وهكذا، تطوي الصحراء صفحتها الأخيرة مع هذه الحركة التي ولدت ميتة، وتعيش الآن سكرات احتضارها البطيء. لا يبقى بعد اليوم إلا أن تُذكَّر الأجيال القادمة بأن هناك من آمن بالوهم فكان الوهم جزاءه، وهناك من آمن بالواقع فكان النصر حليفه.

وانتهى الأمر.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...