معضلة الجماعات الإسلامية مع الدولة الوطنية
عمرو عبد الحافظ
مشروع الإسلام السياسي في خصومة فكرية مع مفهوم الوطن والدولة الوطنية.. المفهوم حديث نسبيا، ربما لا يتجاوز عمره القرون الأربعة.. قبلها عرف الإنسان مفهوم “الموطن” أي مكان الميلاد والإقامة، يحبه فطريا ويذود عنه بما يملك.. فإذا تغير مكان إقامته تغير معه “الموطن” بهذا المعنى.
أما “الوطن” و”الدولة الوطنية” فمفهوم جديد تأسس في أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي تقريبا.. قبله عرف البشر الانتماء للدين، للعرق، للقبيلة، للإمبراطورية مترامية الأطراف.. فلما طحنت الحروب الدينية أوروبا؛ استقرت عقولهم على تأسيس دول ذات حدود وسيادة، ينبغي على الجميع احترامها، تجنبا لنشوب مزيد من الحروب.
فكرة الإسلام السياسي ماضوية في جوهرها، تؤمن أن الإسلام تجسد واكتمل في فترات تاريخية محددة، وعلى الأمة أن تعود إلى مفردات تلك الفترة، حتى تعود إلى دينها كما ينبغي.. في تلك الفترة ” النموذج” لم يكن مفهوم الوطن والدولة الوطنية قد عُرف من الأساس.
فلما نشأ المفهوم في بلاد غير بلادنا، وحضارة أخرى في غيبة حضارتنا؛ حكم الإسلامويون عليه بالبطلان، لأن المسلم في نظرهم لا يصح أن ينتمي لغير الإسلام.. لا سيما وأن المسلمين قد عرفوا المفهوم في ظل الاستعمار الغربي، والتفسير الوحيد عند الإسلامويين أن المفهوم انتقل إلينا بفعل مؤامرة استعمارية غرضها تفتيت العالم الإسلامي.. ولو كان الأمر محض مؤامرة لتوقف المتآمرون عن تنفيذه فيما بينهم، واكتفوا بفرضه علينا.. والواقع يقول أنهم طبقوه على أنفسهم بادئ الأمر، ثم انتقل إلينا بفعل التأثير المتبادل بين الثقافات والحضارات، خاصة وأن المغلوب مولع دوما بمحاكاة الغالب، كما يقول ابن خلدون في مقدمته.
مشكلة الإسلامويين الجوهرية تكمن في هذه الماضوية، وفي اعتقادهم بأن كل ما أنتجه الفكر الإنساني في فترة أفول نجم المسلمين؛ منافٍ للإسلام بالضرورة.
التعليقات