مزن سلسبيل النبوة: ينبوع الحكمة وسر الفلاح

11 أبريل 2026

د محمد غاني

لا غرو ان النبوة تتجلى في الأفق العرفان لكل ذي بصيرة كمصدر فياض لا ينضب، ومعين رباني لا يحده شباك زمان ولا حائط مكان، حتى لكأنها مزن سلسبيلِ حوض النبوة التي يهطل منها مطر التوحيد صافيا رقراقا، فيروي القلوب العطشى، ويغمر الأرواح اليابسة بفيض من أنوار المعرفة الإلهية.

وهذا المطر القدسي هو حقيقة مطر المحبة الذي امتلأ به قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو نور لا ينحبس في ذاته الشريفة، فهو الكريم بن الكريم بل كان فيضا ممتدا، وسرا متعديا، سال من قلبه الكريم إلى قلوب أصحابه، ثم إلى قلوب العارفين من بعدهم، فتحولت تلك القلوب إلى أحواض وأنهار جارية، تفيض بالهداية، وتسقي من يردها من طلاب الحقيقة، فيرتوون من معينها الصافي الذي لا يكدره شك ولا يحجبه غبش.

وليست هذه السقاية الروحية ارتواء عابرا يزول أثره بانتهاء لحظته، بل هي تحوّل جوهري عميق، ينقل الإنسان من ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ضيق الظاهر إلى سعة الباطن. إنها سقاية تثمر الأفهام، وتولد المعارف، وتفتح أبواب فيوضات العوارف، تلك الفيوضات التي لا تنال بكثرة النظر وحده، ولا تدرك بحدود العبارة، وإنما تذاق بالذوق الصوفي الذي هو روح العلم ولبه.

وفي مدارج هذا السير، يترقى العارفون في مقامات العرفان، درجة بعد درجة، حتى يتطهّر باطنهم من شوائب الغفلة، ويتجلى فيهم نور الحضور. ومع هذا التجلي، يبلغ السالك حالة من الاستواء الروحي، حيث تتوازن قوى الروح والجسد، ويتناغم الظاهر والباطن، ويستقيم القلب على سواء الطريق. وفي هذا الاستواء يتحقق مقام الإحسان الذي به يؤتي الله الحكمة من يشاء، فيغدو القلب مرآة صافية تعكس أنوار الحق بلا تشويه ولا انحراف.

غير أن هذا الاستواء ليس غاية تطلب لذاتها، بل هو ثمرة مباركة لرحلة صادقة في طلب الله، كما تطيب الثمرة حين يكتمل نضجها، فتطيب معها الشجرة كلها، ويعم خيرها من حولها. فالسالك إذا نضجت روحه، طابت حياته، واستقامت جوارحه، وأثمرت أفعاله حكمة ورحمة إحسانا.

والمقصود الأعظم من هذا الفيض النبوي هو الفلاح، ذلك النداء الذي يتردد في أذان الصلاة بقول المؤذن:حي على الفلاح.

وليس هذا النداء مجرد دعوةٍ جسدية لأداء حركة ظاهرة، بل هو نداء موجه إلى القلب قبل الجسد، دعوة إلى أن يتوجه القلب بإنائه نحو حوض النبوة، ليتلقى منه سقاية الحياة. فإذا استجاب القلب لهذا النداء، أزهرت فيه بذور الفطرة، وتفتحت أوراقه التي طالما حجبت عين الروح عن رؤية أصلها الإلهي.

وحين يوجه الإناء أي القلب إلى الحضرة الإلهية بصدق وإخلاص، يهطل ماء المحبة هطولا من مزن حوض النبوة، فيكون كالرحيق المختوم، طاهرا مطهرا، يبرئ ما اعتراه من عاهات الغفلة، ويشفي ما أصاب الروح من كمه أو برص معنوي، ويحيي القلب حياة جديدة بعد موات.

وكما أن رحيق العطور الخالصة يذهب بالروائح الكريهة ويبدد آثارها، كذلك فإن من يتعرض لرحيق النبوة المختوم، ويوجه قلبه إلى قنوات الشرائع، ويرتاد رياض الجنة في حلق العلم، ويتلو كتاب الله بتدبر وخشوع، ينال الظفر والمنى بتفتّح زهرة قلبه، فتفوح منها روائح الطمأنينة، وتشرق منها أنوار اليقين.

وهذا التفتح ليس مجرد إدراك عقلي نظري، ولا هو حصيلة استدلال منطقي محدود، بل هو فتح بصيرةٍ، ونور شهود، كما فتح الله بصائر العارفين فتحا مبينا، فشهدوا ببؤبؤ أرواحهم، وقرة أعينهم، أن لا محبوب على الحقيقة إلا الله، ولا مقصود في الوجود سواه.

عندئذ لا يزيغ بصر الروح ولا يطغى، بل يستقر على جادة الحقيقة، ويشهد الجمال الإلهي ساريا في كل شيء، في الكون والإنسان، في الظاهر والباطن، في الحركة والسكون. فيرى السالك بنور البصيرة ما لا تدركه الأبصار، ويذوق من معاني القرب ما تعجز العبارة عن وصفه، فتغدو حياته كلها مسيرة في أنوار النبوة، وارتواء دائما من مزن حوضها المبارك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...