محاكم الجلد من ابن رشد إلى فيسبوك

15 فبراير 2026

كريمة العزيز

نشرتُ قبل أيام موضوعًا عن إلغاء ما يُسمّى بـ”الواجب الزوجي”، وقلتُ بوضوح إن الزواج لا يمنح أي إنسان حقًا تلقائيًا في جسد شريكته، وإن الرضا ليس بندًا يُوقَّع عليه مرة واحدة ثم يصبح واجبًا أبديًا، بل هو شرط متجدد في كل علاقة وفي كل ظرف، وأكدتُ أن هذا المعنى لا يتعارض مع جوهر الإسلام بل ينسجم مع مقاصده الكبرى التي تقوم على الرحمة والعدل وحفظ الكرامة، لأن الزواج في القرآن ليس عقد امتلاك بل “ميثاق غليظ”، ولأن المودة والرحمة لا يمكن أن تكونا إكراهًا ولا ضغطًا ولا خوفًا. لكن ما حدث بعد ذلك كان أهم من الموضوع نفسه، لأنه كشف عطبًا خطيرًا في ثقافة التواصل داخل مجتمعاتنا. كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها النقاش حول فكرة أخلاقية سببًا للشتائم والقذف؟ كيف تحوّل الاختلاف من فرصة للفهم إلى ساحة للتشويه؟ ولماذا صار البعض يعتقد أن الرد على فكرة لا يكون بالحجة بل بالإهانة؟

لاحظت أن أغلب التعليقات لم تناقش الموضوع أصلًا، بل تحولت إلى هجوم شخصي وشتائم وتكفير وتجريح في الشكل والحياة الخاصة، وكأن المشكلة ليست في ما قيل بل في من قاله، وكأن مجرد طرح سؤال حول الرضا داخل الزواج جريمة تستحق الإعدام المعنوي. أليس من المفروض أن يكون الإسلام دين أدب قبل أن يكون دين أحكام؟ أليس احترام الإنسان جزءًا من الإيمان؟ وأي معنى للدين إذا كان أول ما يسقط عند الاختلاف هو الأخلاق؟ لقد رأيتُ كيف يزعم البعض أنه “يدافع عن الإسلام”، بينما أسلوبه كان نقيض الإسلام: سبّ وقذف وسوء ظن واحتقار وتخوين، فأي دين هذا الذي يحتاج إلى الشتيمة كي يثبت وجوده؟ وأي عقيدة هذه التي ترتعب من سؤال بسيط: هل الرضا شرط أم لا؟ الحقيقة أن جزءًا من هذا الغضب لا علاقة له بالدين بقدر ما هو دفاع عن امتيازات قديمة تم تغليفها بالقداسة، وعن سلطة ذكورية تخاف أن تُنتقد، لذلك حين طُرح الموضوع لم تُهدَّد العقيدة بل هُدِّدت السيطرة.

لماذا يصبح النقاش حول كرامة المرأة وكأنّه إعلان حرب؟ ولماذا تُعامل كلمة “لا” كأنها تمرد لا كحق إنساني؟ ثم رأيتُ كيف يتم اجتزاء النصوص واستعمالها كسلاح لتخويف المرأة بدل فهم مقاصد الشريعة وروحها، وكيف يُختزل الإسلام في عبارات تُستعمل للابتزاز النفسي بدل أن تكون دعوة للرحمة، حتى وصل الأمر إلى ترديد بعضهم حديث “لعنتها الملائكة” كأنه سيف يُرفع على المرأة لإسكاتها، وكأن الملائكة خُلقت لتلعن النساء، وكأن رسول الله ﷺ الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق يمكن أن يجعل العلاقة الزوجية قائمة على التهديد والوعيد بدل السكن والمودة، حاشا لله وحاشا لرسول كريم أن يُنسب إليه خطاب يناقض روح القرآن وعدل الإسلام، لأن الدين لا يمكن أن يكون رحمة في نصوصه ثم يتحول إلى قسوة في تطبيقه، ولا يمكن أن تكون الملائكة رمز الطهر والرحمة ثم تُستعمل لتبرير الإهانة والتخويف.

لاحظتُ شيئًا أكثر إيلامًا: كمية هائلة من التعليقات المسيئة لم تأتِ من أشخاص يملكون شجاعة الظهور بأسمائهم، بل من بروفايلات أشباح، حسابات بلا هوية وبلا صورة وبلا مسؤولية، تختبئ خلف الشاشة لأن الجبن أسهل من النقاش، ولأن الشتيمة تحتاج قناعًا بينما الحوار يحتاج ثقة وشجاعة.

كيف نطلب من مجتمع أن يحترم الاختلاف وهو يسمح للجبناء أن يتحولوا إلى قضاة ومفتين وجلادين وهم مختبئون؟ ثم لاحظتُ أيضًا أنه بمجرد ذكر مثال من دولة أخرى أو تجربة قانونية مختلفة، يتحول النقاش عند البعض إلى تهم جاهزة واصطفاف أعمى، وكأن الحق لا يُقبل إلا إذا خرج من داخل القبيلة، بينما الحقيقة أن الإسلام هو دين الله، والدين عند الله الإسلام، وما يختلف بين الناس هو الفهم والمذاهب والاجتهادات والشرائع، وحين تبتعد المقاصد عن العدل يصبح القانون ضرورة لإنصاف المظلوم وردع التجاوز، لأن السبّ والقذف والتشهير ليست “غيرة على الدين” بل جرائم يعاقب عليها القانون.

لماذا نخاف من الاعتراف بأن العدل قيمة كونية؟ ولماذا نتصور أن الحديث عن قوانين تحمي الإنسان في أي مكان هو خيانة؟ الأخطر أن جزءًا كبيرًا من الهجوم لم يكن فكريًا أصلًا، بل كان قذفًا وإيحاءات جنسية رخيصة، لأن أول سلاح يُستخدم ضد المرأة حين تتكلم هو سلاح “الشرف”، فتُهاجم سمعتها بدل مناقشة حجتها، وكأن المرأة ليست عقلًا يُناقش بل جسدًا يجب إسكاتُه. أي انحدار هذا في التواصل؟ وأي مجتمع هذا الذي يرفع شعار الأخلاق ثم يمارس أبشع أنواع الإساءة باسم الأخلاق؟

لا أكتب هذا لأشتكي من الشتائم، فالشتيمة لا تُسقط فكرة ولا حقيقة بل تفضح صاحبها، لكنني أكتب لأن ما حدث ليس حادثًا عابرًا، بل هو علامة على أزمة عميقة في الوعي وأخلاق الاختلاف، أزمة تجعل الحوار مستحيلًا عند البعض، وتحوّل النقاش إلى محكمة تكفير وتشهير بدل أن يكون مساحة فهم وتبادل.

هذا ليس جديدًا في تاريخنا، فقد رأينا كيف اتُّهم ابن رشد بالزندقة والكفر وكيف أُحرقت كتبه، وكيف حورب الفكر والفلاسفة والمصلحون عبر القرون فقط لأنهم حاولوا تشغيل العقل وفتح باب السؤال، وكأن مجتمعاتنا في كل مرة تفضّل إطفاء النور بدل مواجهة الحقيقة.

لماذا يتكرر هذا المشهد إلى اليوم ولكن بأدوات حديثة؟ لماذا صار فيسبوك عند البعض محكمة تفتيش جديدة؟ ولماذا تحوّل بعض الناس إلى أوصياء يوزعون صكوك الجنة والنار بمجرد منشور؟

لا أطلب من الجميع أن يتفق معي، ولا أطلب أن يتحول المجتمع فجأة إلى مدينة فاضلة، لكنني أطلب شيئًا واحدًا: أن نتعلم كيف نختلف بإنسانية، أن نناقش الفكرة لا الشخص، وأن نرد بالحجة لا بالإهانة، لأن الاحترام ليس ترفًا بل هو أساس الدين، ولأن الإسلام لا يحميه الصراخ ولا التخوين ولا الشتائم، بل يحميه العقل والعدل والرحمة، ومن دون ذلك سنظل نعود إلى الظلمات كلما حاول أحد أن يفتح بابًا للنقاش!

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...