مجلس السلام.. مقاربة استباقية لتدبير الانهيار الحضاري
دين بريس ـ سعيد الزياني
تطرح التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين إشكالية عميقة تتصل بطبيعة التغير الجاري في أنماط التنظيم العالمي وحدود قدرة البنى المؤسسية القائمة على احتواء الأزمات المركبة التي باتت تضغط بشكل غير مسبوق على استقرار الدول والمجتمعات.
وتكشف ديناميات المشهد الدولي عن تراجع تدريجي في فاعلية المؤسسات التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية، وتوضح في الوقت ذاته عن تصاعد مبادرات موازية تستهدف إعادة هندسة بنية الضبط الدولي خارج الأطر التقليدية، في سياق يتسم بتداخل الأزمات المناخية والديمغرافية والغذائية والطاقية والتكنولوجية داخل حيز زمني ضيق.
ويندرج تأسيس ما بات يعرف بـ”مجلس السلام” ضمن هذا السياق التحولي العام، حيث يعكس هذا الكيان الجديد محاولة نخبوبة واعية لإعادة تنظيم أدوات إدارة الصراع والسلم على أسس تتجاوز المنطق القانوني والمؤسسي الكلاسيكي للأمم المتحدة، وتتجه نحو نمط أكثر “مرونة” و”سرعة” و”قدرة” على التدخل المباشر في مناطق التوتر، بما يستجيب لمنطق إدارة الأزمات المركبة بدل منطق تسويتها النهائية.
ويمثل هذا التحول إدراكا متزايدا داخل دوائر القرار الكبرى بأن النظام الدولي القائم يقترب من لحظة انعطاف حضارية عميقة، تتسم بتراكم الأزمات المناخية والديمغرافية والغذائية والطاقية والتكنولوجية في زمن ضيق، وبعجز المؤسسات التقليدية عن إنتاج استجابات فعالة بالسرعة المطلوبة.
وعبر “مارك كارني”، المحافظ السابق لبنك إنجلترا ورئيس الوزراء الكندي الأسبق، في مداخلته الأخيرة بمنتدى دافوس الاقتصادي لعام 2026 عن هذا الإدراك حين اعتبر أن النظام العالمي القائم على القواعد دخل مرحلة تصدع بنيوي، وأن العالم يواجه مخاطر وجودية غير مسبوقة تتجاوز قدرة الأطر المؤسسية التقليدية على الاحتواء (Carney, 2026).
ويعكس هذا التشخيص مستوى متقدما من القلق النخبوي إزاء مستقبل النظام الدولي، ويؤكد أن الحديث عن تحول بنيوي لم يعد مجرد استنتاج أكاديمي، وانما صار توصيفا سياسيا مباشرا داخل الدوائر القيادية الغربية.
ويتقاطع هذا التشخيص مع ما ورد في التقرير السنوي للأمم المتحدة حول التنمية المائية، الذي وصف الوضع العالمي بمرحلة “الإفلاس المائي”، محذرا من أن الطلب العالمي على المياه العذبة سيتجاوز العرض بنسبة تقارب أربعين في المئة بحلول عام 2030، في ظل تسارع ذوبان الجليد وتراجع المخزون الجوفي واختلال أنماط التساقطات المطرية (UN-Water, 2025).
وربط خبراء معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة بين هذا التحول البنيوي وتصاعد النزاعات المسلحة المرتبطة بالموارد، مؤكدين أن مناطق الساحل الإفريقي والشرق الأوسط وآسيا الوسطى مرشحة للتحول إلى بؤر اضطراب دائم بفعل ندرة المياه وانهيار الأمن الغذائي، بما يعزز منطق “التدخل الاستباقي” الذي تتبناه القوى الكبرى تحت عناوين الاستقرار والاحتواء..
ويسمح هذا السياق بفهم تأسيس “مجلس السلام” باعتباره استجابة وقائية استباقية لإدراك نخبوي ببلوغ النظام العالمي عتبة اختناق مؤسسي، حيث تفقد آليات الضبط التقليدية قدرتها على مواكبة تعقيد الأزمات وتسارعها.
وأشار تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز إلى أن النظام الأممي يعاني حالة “شلل وظيفي” نتيجة تضارب المصالح الكبرى وتراجع التمويل، وأن العالم دخل مرحلة “الانكماش الإنساني”، حيث تتقدم أولويات الأمن القومي والردع الاستراتيجي على منطق التضامن الدولي (Financial Times Editorial Board, 2025).
ويمثل هذا التوصيف انتقالا واضحا من منطق التنظيم الدولي القائم على التوافقات الواسعة والبطيئة إلى نمط يعتمد الترتيبات الانتقائية السريعة ذات الفاعلية التنفيذية العالية..
ويعزز هذا الاتجاه ما ورد في التقرير الأخير لجهاز الاستخبارات البريطاني، الذي اعتبر أن انهيار “التنوع البيولوجي” واختلال “النظم البيئية” يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي البريطاني، بسبب انعكاساته على الأمن الغذائي والهجرة والاستقرار الاجتماعي (UK Defence Intelligence, 2025).
ويربط هذا التقرير بين تدهور البيئة وتصاعد المخاطر السياسية، بما يحول القضايا المناخية من ملفات تنموية إلى محددات استراتيجية للأمن القومي، ويؤكد منطق التحول نحو آليات تدخل وقائي تتجاوز الأدوات الدبلوماسية التقليدية.
ويرتكز هذا المسار على تصور نظري يعتبر المخاطر الكوكبية نتاجا مباشرا لتعقيد “الحداثة” ذاتها، حيث تفرز الديناميات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية تهديدات عابرة للحدود، تفقد الدولة القومية قدرتها على احتوائها منفردة.
ويقود هذا الوضع إلى إعادة تعريف وظائف السياسة من “تنظيم المصالح” إلى “إدارة المخاطر”، ومن تحقيق النمو إلى ضمان البقاء والاستقرار، وتتقاطع هذه الرؤية مع ما خلص إليه تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول المخاطر العالمية، الذي وصف المرحلة الراهنة بعصر “تعدد الأزمات المتزامنة”، حيث تتفاعل الأزمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية في وقت واحد، بما ينتج مستويات غير مسبوقة من عدم اليقين البنيوي (World Economic Forum, 2025).
وفي نظرنا، يوضح تأسيس “مجلس السلام” (برئاسة احادية من ترامب) هذا التحول البنيوي بوضوح، حيث يقوم على منطق التدخل الاستباقي، وإدارة الصراعات بدل انتظار انفجارها الكامل، وتأمين مناطق الهشاشة قبل تحولها إلى بؤر فوضى كونية.
وأشار تحليل نشرته صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن العالم يشهد منذ عام 2022 تصاعدا لافتا في النزاعات المرتبطة بالغذاء والمياه، معتبرا أن هذا التحول يمثل بداية حقبة جديدة من الحروب البيئية التي تعيد تعريف مفهوم الصراع العالمي (The Guardian, 2025)، مما يمثل انتقالا نوعيا في طبيعة التهديدات، ويبرر بحث القوى الكبرى عن أدوات ضبط جديدة أكثر سرعة ومرونة.
وتتجلى الآليات السببية لهذا التحول عبر تفاعل ثلاث ديناميات كبرى:
1 ـ تبرز الأولى من خلال تصاعد تعقيد المخاطر وتسارع الأزمات، حيث يؤدي هذا الوضع إلى انخفاض قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة الفعالة، ويفضي إلى البحث عن أطر تنسيق جديدة تعتمد منطق الشبكات المرنة بدل الهياكل الهرمية الصلبة.
وتؤكد هذه الدينامية تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، التي ترى أن نموذج التحالفات الدائمة فقد فعاليته لصالح تحالفات ظرفية مرنة قادرة على التحرك السريع في بيئات شديدة التقلب (CSIS, 2025).
2 ـ تتبلور الدينامية الثانية عبر الضغط المتزايد على الموارد الحيوية، حيث يؤدي اضطراب المناخ إلى اختلال الإنتاج الزراعي، ويفضي ذلك إلى تقلبات حادة في أسعار الغذاء والطاقة، وينتج عنه تصاعد الهشاشة الاجتماعية داخل الدول الضعيفة، وحذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن أكثر من 230 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة خلال عام 2026، في رقم غير مسبوق يعكس حجم الانكشاف الحضاري الذي يواجهه النظام العالمي (FAO, 2025).
3 ـ تتشكل الدينامية الثالثة من تصاعد موجات النزوح والهجرة الكبرى، حيث تؤدي هذه التدفقات البشرية إلى توترات هوياتية داخل المجتمعات المستقبلة، وتغذي صعود الشعبوية والتطرف السياسي، حيث خلص تقرير معهد الاقتصاد والسلام إلى أن الضغوط الديمغرافية والمناخية تشكل العامل الأكثر تأثيرا في صعود اليمين المتطرف بأوروبا خلال العقد المقبل، بما يهدد استقرار الأنظمة الديمقراطية ذاتها (Institute for Economics and Peace, 2025).
يفضي تفاعل هذه الديناميات إلى إعادة تشكيل عميقة في بنية “التنظيم العالمي”، حيث يتراجع الطموح إلى بناء نظام دولي مستقر طويل الأمد، ويصعد منطق إدارة الأزمات المتلاحقة، ويندرج “مجلس السلام” ضمن هذه البنية الجديدة بوصفه أداة مركزية لإدارة التوترات المستقبلية، وليس مجرد إطار تقليدي لتسوية النزاعات القائمة.
ويعكس هذا الدور انتقالا نوعيا في تصور “السلم” نفسه، حيث يغدو مفهوم “السلام” مرتبطا بالقدرة على ضبط التفكك والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار (مجلس السلام)، لا بتحقيق حالة توازن دائم (الامم المتحدة).
يحيل مفهوم “الانهيار الحضاري” ضمن هذا الإطار إلى تراجع تدريجي في قدرة المنظومات الحديثة على أداء وظائفها الأساسية، ويتجسد في تراجع الثقة بالمؤسسات، واضطراب سلاسل الإمداد، وتفكك العقد الاجتماعي، وتصاعد العنف الرمزي والمادي.
ويدفع هذا المسار النخب إلى الانتقال من منطق الإصلاح البنيوي إلى منطق إدارة التفكك، حيث تصبح الغاية الأساسية الحفاظ على استقرار المراكز الحيوية للنظام العالمي، حتى وإن اقتضى ذلك إعادة إنتاج علاقات تبعية جديدة، وتحويل مناطق واسعة من العالم إلى فضاءات عازلة لإدارة التدفقات البشرية والبيئية.
تفضي هذه القراءة إلى خلاصة مفادها أن تأسيس “مجلس السلام” لا يعكس استجابة ظرفية لأزمة محددة، وإنما يندرج ضمن رد فعل نخبوي واسع على إدراك اقتراب لحظة انعطاف حضاري كبرى، تتسم بتراكم الأزمات وتآكل منظومات الاستقرار التقليدية.
ويكشف هذا الرد محاولة لإعادة تصميم أدوات الضبط الدولي بما يسمح بإدارة الاضطراب وتقليص حجم الخسائر المحتملة، في سياق ينتقل فيه العالم من مرحلة “اليقين النسبي” إلى مرحلة “اللايقين البنيوي”، حيث تغدو إدارة المخاطر الوظيفة المركزية للسياسة الدولية، ويغدو “السلام” نفسه صيغة تنظيمية مؤقتة داخل عالم يتجه نحو إعادة تشكل شامل..
التعليقات