كتب السيرة النبوية بين الرواية العسكرية والرسالة الإنسانية
الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لقد تحولت السيرة النبوية في كثير من الكتابات القديمة والحديثة إلى مجرد سجل للغزوات والمعارك والتفاصيل العسكرية، حتى كأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا قائدا حربيا يقود الجيوش ويخوض الصراعات، بينما غابت أو غُيِّبت جوانب أعظم وأعمق من شخصيته الرسالية والإنسانية والحضارية.
وهذه القراءة الجزئية للسيرة لا تظلم التاريخ فحسب، بل تظلم أيضا حقيقة الإسلام ورسالة النبي الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
إن المتأمل في كثير من كتب السيرة يلاحظ أن مساحة واسعة منها خُصصت للغزوات: عددها، وأماكنها، وتحركات الجيوش، وأسماء المشاركين فيها، وأدوات القتال، والخطط العسكرية، حتى أصبحت السيرة في أذهان كثير من الناس مرتبطة بالحرب أكثر من ارتباطها ببناء الإنسان وصناعة القيم وإقامة مجتمع الرحمة والعدل.
ولا شك أن الغزوات جزء من السيرة، وأنها كانت مرحلة تاريخية فرضتها ظروف الصراع والدفاع عن الدعوة الناشئة، لكنها لم تكن جوهر الرسالة ولا المقصد الأعلى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليعيد بناء الإنسان من الداخل قبل أن يبني الدولة من الخارج، فجعل أول معاركه الحقيقية مع الجهل والظلم والعصبية والأنانية واحتقار الإنسان لأخيه الإنسان. وحين نقرأ القرآن الكريم نجد أن الحديث عن تزكية النفس، وإقامة العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وإغاثة الضعفاء، وإطعام الفقراء، وإصلاح العلاقات الاجتماعية، وبناء الأسرة، وتحرير الإنسان من عبودية الشهوات والطغيان، يحتل مساحة أكبر بكثير من الحديث عن القتال والحروب. وهذا يكشف أن المشروع النبوي كان في أساسه مشروعا حضاريا وأخلاقيا وإنسانيا متكاملا، لا مجرد مشروع عسكري أو سياسي.
لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم خلال سنوات قليلة أن ينقل مجتمعا ممزقا قبليا إلى أمة تحمل رسالة أخلاقية عالمية. فقد كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام فضاء تسوده الثارات والعصبيات والتمييز الطبقي واحتقار المرأة واستعباد الفقراء، فجاء الإسلام ليقيم ميزانا جديدا يقوم على التقوى والكرامة الإنسانية والمساواة أمام الله. وهذا التحول الحضاري العميق لا يمكن اختزاله في أخبار المعارك والغزوات فقط.
إن أعظم ما في السيرة النبوية ليس عدد الانتصارات العسكرية، بل قدرتها الفريدة على صناعة الإنسان الرحيم العادل. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان أبا حنونا، وزوجا وفيا، وجارا كريما، وقائدا متواضعا، ومربيا حكيما، ومصلحا اجتماعيا، وحاملا لهموم الفقراء والمستضعفين.
كان يجلس مع الفقراء ويواسي الأرامل ويلاطف الأطفال ويخدم أهل بيته ويبتسم في وجوه الناس، حتى قالت عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كان خلقه القرآن”. وهذه الجوانب الإنسانية هي التي يحتاجها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لقد نجحت بعض الكتابات الاستشراقية المعادية للإسلام في استغلال هذا الاختزال العسكري للسيرة، فصوّرت النبي صلى الله عليه وسلم للعالم باعتباره رجلا عاش بالسيف وانتشر بالقوة، بينما أهمل كثير من المسلمين أنفسهم إبراز الجوانب الرحيمة والإنسانية والحضارية في حياته. فحين تُقدَّم السيرة للشباب أو لغير المسلمين باعتبارها تاريخ حروب فقط، فإننا نكون قد ساهمنا – من حيث لا نشعر – في تشويه الصورة الحقيقية للرسول عليه الصلاة والسلام.
إن المشكلة ليست في كتب السيرة القديمة وحدها، بل في طريقة تلقيها وقراءتها أيضا. فالكثير من المؤلفات كتبت في سياقات سياسية وتاريخية كانت تميل إلى تمجيد البطولات العسكرية، لأن الأمة كانت تعيش مراحل صراع وتوسع سياسي، فغلب الطابع الحربي على التدوين. لكن الخطأ الأكبر هو استمرارنا اليوم في إعادة تقديم السيرة بالعقلية نفسها، دون مراعاة لحاجات العصر وأسئلته وتحدياته الفكرية والإنسانية.
إن شباب اليوم لا يبحث فقط عن معلومات تاريخية جامدة، بل يبحث عن معنى، وعن قدوة، وعن نموذج إنساني ملهم يساعده على مواجهة أزمات الحياة المعاصرة. ولذلك فإن تقديم السيرة النبوية بلغة السيوف والغزوات وحدها لم يعد كافيا لبناء الوعي والإيمان، بل قد يؤدي أحيانا إلى نتائج عكسية، خاصة في عالم يموج بخطابات العنف والكراهية وسوء فهم الدين.
ما أحوجنا اليوم إلى إعادة اكتشاف السيرة باعتبارها مدرسة في التربية الإنسانية والأخلاقية. نحتاج أن نُعرّف الناس برسول الرحمة الذي بكى حين رأى طفلا يموت، والذي قام لجنازة يهودي احتراما لإنسانيته، والذي عفا عن أهل مكة بعد سنوات طويلة من الأذى والاضطهاد، والذي رفض أن يتحول الدين إلى وسيلة للانتقام والكراهية.
نحتاج أن نظهر للعالم كيف أسس النبي صلى الله عليه وسلم أول مجتمع للتكافل الاجتماعي، وكيف آخى بين المهاجرين والأنصار، وكيف احترم المرأة ورفع مكانتها، وكيف دعا إلى إكرام العمال والرفق بالحيوان وحماية الضعفاء.
كما أننا بحاجة إلى إبراز البعد الاقتصادي في السيرة النبوية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بعيدا عن قضايا المعيشة والتنمية والعدالة الاقتصادية. فقد حارب الاحتكار والغش والربا والاستغلال، ودعا إلى العمل والإنتاج والتكافل، وربط الاقتصاد بالأخلاق والمسؤولية الاجتماعية. وهذه القيم الاقتصادية الإنسانية تمثل اليوم حاجة عالمية في ظل أزمات الرأسمالية المتوحشة واتساع الفوارق الطبقية.
إن تجديد تقديم السيرة النبوية لا يعني أبدا إنكار الغزوات أو حذفها أو تزييف التاريخ، بل يعني وضعها في سياقها الصحيح باعتبارها جزءا من مشروع حماية الإنسان والدفاع عن الحرية والكرامة، لا باعتبارها الغاية الأساسية من الرسالة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عاشقا للحرب، بل كان يكره سفك الدماء، ولذلك لم يلجأ إلى القتال إلا حين فُرض عليه دفاعا عن الدعوة والإنسان.
وحتى في الحروب وضع أخلاقا لم تعرفها البشرية في ذلك العصر؛ فنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، ونهى عن التمثيل بالجثث وقطع الأشجار وإفساد العمران. وهذا يؤكد أن الإسلام جاء لتقليل العنف لا لتقديسه.
إن من أخطر آثار القراءة العسكرية الضيقة للسيرة أنها أفرزت فهما متشددا للدين عند بعض الشباب، حيث تحولت القدوة النبوية في أذهانهم إلى صورة محارب دائم، وغابت صورة النبي المربي والمصلح وصانع السلام. ومن هنا جاءت الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الخطاب التربوي والدعوي حول السيرة النبوية، بحيث يتم التركيز على مقاصد الرسالة الكبرى: الرحمة، والعدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، والتعايش، وإعمار الأرض.
كما ينبغي أن تُقدَّم السيرة بلغة العصر ومفاهيمه، مع الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة والأفلام الوثائقية والرواية الأدبية والمناهج التعليمية الجديدة، حتى تصبح السيرة حية في وجدان الأجيال الجديدة، لا مجرد أحداث محفوظة في الكتب. فالعالم اليوم يتفاعل مع القصة الإنسانية أكثر من تفاعله مع السرد الجاف، ويبحث عن القيم الكونية المشتركة التي تجمع البشر لا التي تفرقهم.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ملكا لجيل معين ولا لأمة معينة، بل هو هدية الله للإنسانية كلها، ولذلك فإن تقديمه للعالم باعتباره أعظم شخصية إنسانية وأخلاقية أصبح واجبا حضاريا وأخلاقيا على المسلمين. فالعالم المعاصر يعيش أزمات روحية وأخلاقية خانقة؛ حروب، وكراهية، وعنصرية، وتفكك أسري، وجشع اقتصادي، وقلق وجودي، وكلها تجعل البشرية في حاجة ماسة إلى نموذج الرحمة النبوية.
لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني الإنسان قبل أن يبني الدولة، وأن يغرس القيم قبل أن يحقق الانتصارات السياسية، ولذلك بقي أثره حيا في التاريخ. فالانتصارات العسكرية تزول مع الزمن، أما الانتصارات الأخلاقية والإنسانية فتبقى خالدة في ضمير البشرية. ومن هنا فإن السيرة النبوية الحقيقية ليست مجرد تاريخ يُقرأ، بل مشروع إنساني متجدد لصناعة الحياة وبناء الحضارة.
إن مسؤولية العلماء والمفكرين والمربين اليوم هي أن يعيدوا للسيرة النبوية روحها الحقيقية، وأن يحرروها من القراءة الاختزالية التي حصرتها في الغزوات والمعارك. فالسيرة ليست كتاب حرب، بل كتاب بناء إنسان، وصناعة أمة، وتأسيس حضارة قائمة على الرحمة والعدل والسلام. وإذا نجحنا في تقديم هذا الوجه المشرق من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فإننا لن نخدم الإسلام وحده، بل سنخدم الإنسانية كلها التي أنهكتها المادية والعنف وفقدان المعنى.
ولهذا فإن أعظم وفاء للرسول صلى الله عليه وسلم اليوم ليس في كثرة الاحتفاء الشكلي بسيرته، بل في إعادة اكتشاف رسالته الإنسانية وتقديمها للعالم بلغة الحكمة والرحمة والجمال. فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد قائد تاريخي، بل كان أعظم مربٍّ عرفته البشرية، وأعظم نموذج للإنسان الكامل الذي جمع بين الإيمان والرحمة والعدل والتواضع والمحبة. ومن هنا تبدأ نهضتنا الحقيقية: حين نعيد قراءة السيرة بعين الإنسان لا بعين السيف فقط، وبروح البناء الحضاري لا بعقلية الصراع وحدها.
التعليقات