قول نقدي في الجدل حول الطب الحديث والطب البديل

6 مايو 2026

يمنى الخولي

فلسفة العلم غير فلسفة العلاج؛ لأن العلم مجرد ظاهرة معرفية، أما العلاج فهو موقف إنساني شامل لأبعاد وجودية متعددة، فضلا عن مصاعب وأزمات يعمل الإنسان بسائر ملكاته على تجاوزها وصولا إلى الهدف المشروع، وهو الشفاء، بدرجات متفاوتة، بكل طريقة وبأي طريقة تبدي جدوي وفاعلية.
الطب الحيوي، أي الأبحاث العلمية في الصحة والمرض، العنصر الأول في الموقف العلاجي، تليه عناصر عديدة مديدة، سيكولوجية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية واقتصادية وعقائدية… الخ، تتفاعل و تتكامل مع الطب الحيوي في تشكيل الموقف العلاجي. المرض أخطر من أن ينفرد به الطب الحيوي وحده.
أبرز هذه العناصر ما هو مثار الآن من أشكال العلاج التكميلية أو الطب البديل. والفلسة بدورها لا تتواني، وتقدمت “الفلسفة العلاجية” الناشئة حديثا التى تعرف ايضا باسم “الاستشارة الفلسفية” بإسهام جيد في مواجهة الأزمات النفسية والحياتية المحيقة بالأمراض والإصابات.
ولعل الشاهد العدل هنا هو الطبيب النفسي المتخصص الدكتور عادل مصطفى الذي يتحمل مسؤلية علاج المرضي في مستشفى الطب النفسي المركزي في الكويت منذ العام1992.
هو أيضا زميلي في فلسفة العلم، درس الفلسفة، وكان مثلي الأول على دفعته، ولا يمرُ عامٌ دون أن يخرج عملا لافتا في الفلسفة تأليفا أو ترجمة.
وقد تشاركنا معا في ترجمة كتاب “مدخل إلى الفلسفة: مزود بمعجم فلسفى معاصر”، وفي تأليف الكتاب الضخم “منهجيات راهنة صوب المستقبل”.
ترجم الدكتور عادل مصطفي مؤخرا كتابين هما “الاستشارة الفلسفية: الإرشاد الفلسفي الظرية والتطبيق- 2021” ثم “في العلاج الفلسفي: أفلاطون لا البروزاك” بمشاركة الصديق العزيز دكتور محمد السيد أستاذ فلسفة العلم في جامعات المنيا والكويت.. وقد جعلا أفلاطون في مواجهة البروزاك/أشهر عقاقير الأمراض النفسية.
مرة أخرى العلاج أخطر وأشمل من أن ينفرد به الطب الحيوي وحده. وكما يقول فييرآبند: العلم ليس كيانا مقدسا يستلزم الكفر بما عداه، بل فعالية إنسانية حميمة ونظام عقلاني ينمو ويزدهر بالتفاعل مع الأنظمة المعرفية الأخرى. وليس قبول إسهام بمقولة سوى العلم قد تفيد في تعقيدات الموقف العلاجي، يستدعي من أنصاره التنويريين هذه الهجمة المجنونة..
لم أندهش من هوجة السب والقذف والردح، لأن الدهشة أصلا من هؤلاء الآتين في عصر مابعد الحداثة/ مابعد الاستعمار/ ما بعد المركزية الغربية/ مابعد واحدية العلم الغربي. عصر التعددية والنسبوية واللايقين.. عصر الذكاء الاصطناعي الذي ألغي الجهل وجعل طوفان المعارف وتلال الخبرات ملكا للجميع، فورا ومجانا فقط بكبسة زر. يأتون في هذا العصر وينصبون أنفسهم أوصياء على جموع البشر يحددون ما يمكن أن يقال لهم في حديث عن الأكل والشرب والنوم والبحث عن علاج.. ويقيمون متاريس البذاءة التنويرية في وجه ما لا يروقهم من أحاديث قد تمثل شركا بقداسة الواحد الأحد: الحداثة الغربية.
كما قلت مرارا وتكرارا، مشكلتهم هي العجز عن مغادرة عصر التنوير: القرن الثامن عشر. القرن الحادي والعشرون لا يسمح بهذه الوصاية على البشر في أخص خصائص الإنسان: تلمس الراحة والصحة والعلاج.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...