قلق الحداثة لدى النخب العربية: الضغط المعياري الأوروبي وآسيا بوصفها مسارا ثالثا

13 يناير 2026

دين بريس. خاص

تندرج المحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور المصطفى الرزرازي يوم 12 يناير 2026 بجامعة سوغانغ (سيول)، في إطار سلسلة الندوات العالمية للدراسات الكورية، ضمن نقاش فكري قديم متجدد حول مسارات الحداثة في العالم العربي-الإسلامي، في لحظة تاريخية باتت فيها الأطر التفسيرية الموروثة عن القرن العشرين عاجزة عن الإحاطة بتحولات النظام الدولي المتسارعة. وقد قدّمت المحاضرة، المعنونة «قلق الحداثة لدى النخب العربية: الضغط المعياري الأوروبي وآسيا بوصفها مسارًا ثالثًا»، قراءة تحليلية مقارنة ونقدية لكيفية تفكير النخب الفكرية العربية في إشكاليات الأزمة والإصلاح والتنمية و«الفجوة التاريخية»، مع مساءلة متزايدة لجاذبية التجارب الآسيوية بوصفها آفاقًا بديلة عن المركزية الأوروبية.

من وعي الأزمة إلى مأزق الانتقالات غير المكتملة

استهلّ المحاضر مداخلته بالتأكيد على أن سؤال «التأخر» لم يظهر فجأة، بل تشكّل تدريجيًا منذ أواخر القرن التاسع عشر، في سياق تميّز بضعف بنيوي أصاب الدولة العثمانية، وبانكشاف متزايد على التفوق العسكري والعلمي والتنظيمي لأوروبا. ولم تكن هذه المرحلة التأسيسية معنية بصياغة حلول مؤسساتية جاهزة، بقدر ما كانت جهدًا تشخيصيًا عميقًا يهدف إلى فهم أسباب التراجع قبل التفكير في سبل النهوض.

وفي هذا الإطار، مثّلت النهضة العربية (النهضة) محاولة أولى لإعادة بناء الذات، ارتكزت على إصلاح التعليم، وإحياء اللغة، وتجديد الفكر الديني، وإعادة الاعتبار للعقل. غير أن هذه النهضة، كما أوضح المحاضر، ظلّت إلى حدّ كبير حبيسة المجالين الفكري والأخلاقي، دون أن تتحول إلى مشروع مؤسساتي قادر على إحداث تحول بنيوي مستدام.

ومع تعمّق الاحتكاك بالحداثة الغربية، انتقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدًا، تمحور حول قضايا الدولة والقانون والمواطنة والعلمانية والفرد. إلا أن هذا الطور غالبًا ما انغلق في سجالات إيديولوجية بين القطيعة والتكيّف، دون أن يفضي إلى بلورة نموذج حداثي متماسك ومتجذّر في الخصوصيات التاريخية والاجتماعية المحلية.

التنمية، الدولة-الأمة و«الإقلاع المؤجَّل»

عقب الاستقلالات، حلّت إشكالية التنمية تدريجيًا محل سؤال النهضة الحضارية. فقد جرى النظر إلى التنمية باعتبارها أداة لبناء الدولة-الأمة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتسريع التصنيع. غير أن النماذج المستوردة—من تخطيط مركزي، ودولة ريعية، وتضخم إداري—كشفت سريعًا عن حدودها، سواء من حيث ضعف الحكامة، أو هشاشة النسيج الإنتاجي، أو تهميش المجتمع.

وفي هذا السياق، ظلّ «الإقلاع»—بمعناه العميق الذي يتجاوز النمو الاقتصادي ليشمل التحول البنيوي القائم على المعرفة والابتكار والسيادة الاستراتيجية—مشروعًا مؤجّلًا. ويرى المحاضر أن هذا الإخفاق النسبي لا يعود إلى غياب الرؤية، بقدر ما يرتبط بسوء إدارة الانتقالات بين مراحل الإصلاح المختلفة، التي غالبًا ما تراكبت دون انسجام أو استمرارية.

آسيا كأفق بديل للمعيار الأوروبي

في ظل هذا المأزق الجزئي، اكتسبت النماذج الآسيوية أهمية متزايدة في الفكر العربي المعاصر. فالاهتمام باليابان أو الصين أو كوريا الجنوبية لا ينبع من افتتان ثقافي، بل من البحث عن مسارات تحديث ناجحة خارج الإطار الأوروبي-الأمريكي الكلاسيكي.

وقد قُدِّم النموذج الياباني، عبر تجربة عصر ميجي، بوصفه مثالًا للتحديث السيادي: مشروعًا تقوده الدولة، يجمع بين إصلاحات مؤسساتية عميقة والحفاظ على البنى الرمزية للمجتمع. ويكمن الدرس الجوهري هنا في إمكانية التحديث دون قطيعة حضارية جذرية، رغم أن هذه التجربة كثيرًا ما تُؤدلَج أو تُختزل دون تحليل عمقها المؤسسي الحقيقي.

أما الصين، فتمثل مسارًا مختلفًا، قوامه قطيعة ثورية شاملة، ومركزية السلطة، والتعبئة الجماهيرية. وبرغم كلفتها الإنسانية والسياسية الباهظة، مكّنت هذه التجربة من إعادة بناء الدولة وتحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي، قبل الانتقال لاحقًا إلى براغماتية اقتصادية مضبوطة.

كوريا الجنوبية: من الحالة التاريخية إلى النموذج الرمزي

وقد خُصِّص حيّز مهم للتجربة الكورية الجنوبية، التي حققت إقلاعًا سريعًا في سياق بالغ القسوة، تميّز بالحرب وندرة الموارد وتهديد وجودي دائم. وفي المخيال الفكري العربي، تحوّلت كوريا من مجرد حالة دراسية إلى «حجة على الإمكان»، استُحضرت لتفنيد الحتمية التنموية، ولدحض فكرة عدم قابلية المجتمعات العربية للحداثة.

في القراءات العربية، تظهر كوريا حديثة دون أن تكون أوروبية، وصناعية دون أن تكون—في بداياتها—ليبرالية ديمقراطية، ومنخرطة في الاقتصاد العالمي دون تغريب ثقافي كامل. وقد سمح هذا التصور بالتعامل مع الحداثة كأداة عملية، لا كنظام قيمي شامل.

غير أن المحاضر نبّه إلى الطابع الانتقائي لهذه القراءات؛ إذ يجري التركيز على الدولة التنموية، والتخطيط، والتعليم، والصناعة، مقابل تهميش الأبعاد السلطوية، والصراعات الاجتماعية، والتكاليف الإنسانية لمرحلة الإقلاع. وهكذا تتحول كوريا في كثير من الأحيان إلى تجريد وظيفي منفصل عن تاريخها الصراعي الفعلي.

من مقارنة النماذج إلى سؤال الزمن

في ختام المحاضرة، انتقل التحليل من مقارنة النماذج إلى مساءلة البنى الزمنية ذاتها. فالجاذبية المتزايدة لما يُعرف بـ«الحداثة المضغوطة» لا تعود فقط إلى الإعجاب بآسيا، بل إلى قيد زمني بنيوي يثقل كاهل المجتمعات العربية والإفريقية.

فالتصنيع، والتحضر، وتعميم التعليم، والانتقال الديمغرافي، والثورة الرقمية، والتعبئة السياسية، كلها تجري في آن واحد، لا على نحو متسلسل كما في التجربة الأوروبية. وعليه، فالحداثة المضغوطة ليست خيارًا استراتيجيًا، بل شرطًا تاريخيًا مفروضًا.

يسمح هذا الإطار بإعادة تأويل ما يُنظر إليه عادة بوصفه فشلًا أو لاانسجامًا؛ إذ يصبح تزامن الأزمنة المختلفة سمة طبيعية للحداثة المتأخرة، كما يفتح أفقًا للتحرر من المقارنة الخطية مع أوروبا، عبر شرعنة مسارات غير متزامنة.

مخاطر وشروط الحداثة المتسارعة

مع ذلك، حذّر المحاضر من مخاطر محتملة، من بينها الخلط بين السرعة والتقدم، والتوظيف السلطوي لخطاب الاستعجال التنموي، والنزعة التكنولوجية التي تهمل الشرعية السياسية والعقد الاجتماعي. فالتسارع دون حكامة قد يؤدي إلى إنهاك مؤسساتي بدل الإقلاع المنشود.

ولكي تصبح الحداثة المضغوطة منتجة لا مدمِّرة، لا بد من توفر شروط أساسية: قدرة استراتيجية للدولة تتجاوز منطق الإكراه، وآليات حماية اجتماعية قادرة على امتصاص الصدمات، وتعليم موجَّه نحو التكيف والمهارات النقدية، واستمرارية ثقافية مُدارة، وسرديات جماعية تمنح معنى للتسارع.

خاتمة: الحداثة بوصفها سيادة زمنية

لم يتردد الدكتور المصطفى الرزرازي إلى إعادة صياغة طموحة للنقاش؛ فالفاصل الحقيقي اليوم لا يقوم بين مجتمعات حديثة وغير حديثة، بل بين مجتمعات تتحكم في مسارها الزمني وأخرى تخضع لتسارع غير مضبوط. ومن ثمّ، فإن التحدي المركزي أمام المجتمعات العربية والإفريقية لا يكمن في استنساخ نموذج بعينه، بل في تحقيق السيادة الزمنية: أي القدرة على تحديد إيقاع التغيير، وامتصاص الصدمات دون تفكك، والتسارع دون فقدان المعنى.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تلعب الجزائر بالنار..

عمر العمري تتكرر الحوادث الدامية على الحدود المغربية ـ الجزائرية بوتيرة تفرض إخراجها من منطق الوقائع المعزولة وإدراجها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع، يكشف عن خلل بنيوي في مقاربة تدبير الحدود، وعن انزلاق متدرج نحو منطق أمني متصلب. ويدل مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة قرب “بشار” على مآلات هذا الخلل، ويعيد إلى الواجهة سلسلة من الوقائع […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...