قراءة في المخاطر على ضوء أحداث كأس أمم إفريقيا 2025 وبلاغ الديوان الملكي
لطفي الصمدي
لم تكن أحداث كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد حدث رياضي مثير للجدل. ما حدث قبلها وأثناءها وبعدها كشف هشاشة الوعي الجماعي أمام منصات رقمية مصممة لاستغلال الانفعال لا لتنظيم النقاش. الخوارزميات تفضّل ما يثير الغضب وتهمّش ما يهدئ، فتتحول كل لقطة مجتزأة أو تعليق استفزازي إلى وقود للتضليل والاستقطاب.
الحملات التشويشية قبل البطولة ومحاولات التشكيك في التنظيم، الاتهامات بالرشوة وشراء الذمم اثناء البطولة، وتضخيم الحوادث في النهائي لم تكن عفوية. الهدف كان إضعاف الثقة، إنهاك الرأي العام، ودفع الجماهير للتفاعل العاطفي بدلا من التفكير الرصين.
جاء البلاغ الملكي في هذا السياق ليعيد ضبط البوصلة: خطاب دولة يبني على بعد النظر كعادة الملكية في المغرب، لا يضخّم الانفعال، ولا ينجر إلى الإشاعة. يضع النجاح في سياقه الاستراتيجي، يعترف بالسلبيات دون تحويلها إلى أداة هدم، ويراهن على وعي الشعب وقدرته على التمييز.
التباين واضح: المنصات تريدك غاضبا الآن ودائما، الرؤية الملكية تبني السمعة والمكانة على المدى البعيد. وفي ظل الاستحقاقات الكبرى المقبلة ككأس العالم 2030، يصبح التشويش اليوم استثمارا في إضعاف الصورة غدا.
الخطر الأكبر أن كثيرين يشاركون في هذا المسار دون وعي، ينشرون ويهاجمون وهم يظنون أنهم يعبرون فقط، بينما هم يعملون مجانا داخل منظومة تراهن على الانفعالات.
الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول. وسائل التواصل سلاح ذو حدين، تُقدَّم للمستهلك على أنها فضاء للتسلية والتنفيس، لكنها تنقلب بسهولة إلى سلاح ناعم حين تُستعمل بلا مسافة نقدية. ما يبدو بريئا في الشكل قد يصبح أداة تأثير عميقة في الجوهر، تستهدف الوعي قبل أي شيء آخر.
يقول المثل العربي: إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب. هذا المعنى ينطبق تماما على مواقع التواصل الاجتماعي. فالصمت، في كثير من السياقات، يصبح وعيا. وعدم التفاعل يصير موقفا في حد ذاته. أما التفكير المتأني، في زمن السرعة المفرطة والانفعال الفوري، فهو شكل من أشكال المقاومة.
المعركة الحقيقية ليست على قرار تحكيمي أو تعليق، بل على الوعي. ومن يربح الوعي يربح ما هو أبعد من بطولة.
التعليقات