قراءة أولية في مستقبل النظام الدولي

11 أبريل 2026

تمرسيت حسام الدين

منذ فترة بدأت بالتفكير في فرضية بشأن مستقبل”النظام الدولي” خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر والحرب على إيران، يمكن تسميتها”فرضية الجزر الدولية”. باختصار تقوم هذه الفرضية على أن النظام الدولي المعاصر، الذي تشكل في ظل العولمة والأحادية القطبية الأمريكية، لم يعد نظاما مستقراً فهو يتجه في كل مرة نحو التفكك التدريجي. فارتفاع التكاليف الجيوسياسية لإدارة العالم أو ما نسميه الإدارة بالهيمنة وتعدد بؤر الصراع والأزمات الدولية، وهشاشة سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بنقاط اختناق استراتيجية مثل المضائق البحرية، كلها عوامل تدفع القوى الكبرى إلى إعادة التفكير في خيارات الانكشاف العالمي والاتجاه نحو تقليص الاعتماد المتبادل بسبب التكلفة الباهضة والتوتر الأمني الشديد لهذا النوع من النظام الدولي.

ما سوف يجعل الدول تسعى إلى الاعتماد على نمط الإنتاج القريب بحيث تكون قادرة على التحكم في موارده مصادره، وبناء علاقات مع أطراف أكثر وثوقية من الناحية السياسية والأمنية وابتكار سلاسل توريد مضمونة..الخ. من أجل تفادي تكلفة الفوضى الجيوسياسية للنظام القديم كما أظهره غلق مضيق هرمز والحرب الأوكرانية مثلاً. الأمر الذي يؤثؤ على أسواق الطاقة والغذاء والمواصلات العالمية بشكل دوري، وأيضاً حجم التكلفة الباهضة لنموذج الإدارة بالهيمنة والذي كلف الولايات المتحدة الأمريكية خسارة كبيرة في التنافس الاقتصادي مع الصين خاصة حروبها الأخيرة في الشرق الأوسط، وهو ما سوف يمنع الصين أو أي دولة أخرى إلى إعادة نفس الخطأ الأمريكي.

وفق هذا التصور لن يستمر العالم ككتلة واحدة مترابطة بل سيتحول إلى فضاءات جيوسياسية شبه مستقلة أو «جزر دولية» مثل فضاء أطلسي تقوده الولايات المتحدة، وفضاء شرق آسيوي تقوده الصين وفضاءات إقليمية أخرى في أوروبا والشرق الأوسط..الخ حيث تعيد كل قوة كبرى تنظيم محيطها الحيوي وتبني سلاسل إمداد أكثر أماناً وأقل تكلفة وأقل اعتمادًا على عوامل خارجية لا نستطيع التحكم فيها كما في النموذج الكلاسيكي.

لكن رغم قوة هذا الاتجاه نحو الإقليمية والذي يشهده الواقع فإن فكرة القطيعة النهائية مع العولمة تبقى نسبية حتى مع قوة فرضيتي التي قدمتها لأن مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتمويل العالمي تشكل شبكة مترابطة يصعب تفكيكها دون كلفة هائلة لجميع الأطراف وهذا الأمر يدعمه التاريخ البنيوي للنظم الدولية كما أن طبيعة التنافس الدائمة بين القوى الكبرى تمنع الانفصال الكلي بل إلى إعادة تشكيل الترابط في صيغ أكثر تجزؤًا وأقل وثوقية كما في فرضيتي. لذلك فالأرجح أنه لن تكون هناك”جزر منفصلة” بل نظام دولي مجزأ داخل شبكة واحدة تتعايش فيه الكتل الإقليمية مع استمرار الاعتماد المتبادل المخفف والصراع المحسوب، لكن في شكل أكثر تعقيدً وتوتراً من مرحلة العولمة الكاملة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...