في نقد القراءات القرآنية الحداثية: محمد الناجي نموذجا
عبد العزيز أبايا
بقدر ما أسعدني صدور مؤلف للدكتور طه عبد الرحمان حول القرآن الكريم موسوم ب “الكتاب والحكمة قرينان لا يفترقان –مقاربة أسمائية لسور القرآن” ( سأرجع إلى مضامينه فيما بعد )، بقدر ما تأسفت و أنا أطلع على بعض الأفكار التي تهاوت دعواها منذ ثمانينيات القرن الماضي معيدة ما شرخ من الأسطوانات القديمة في شأن القرآن الكريم و ظروف جمعه .
مناسبة هذا الكلام أنني استمعت إلى حلقة برنامج “ضفاف الفنجان” التي استضاف فيها يونس مسكين الباحث المغربي محمد الناجي، في حديث عن كتابه الصادر بالفرنسية تحت عنوان “حرب المصاحف”. وقد جاءت الحلقة، كما ظهر في يوتيوب، محمولة على سؤال مثير: “كيف توحّد القرآن؟ وهل كان هناك أكثر من مصحف؟”.
كان الحوار مشدودًا إلى منطقة حساسة من تاريخ الإسلام، وهي منطقة جمع القرآن، ومصحف عثمان، والقراءات، والمصاحف المنسوبة إلى بعض الصحابة، وحدود العلاقة بين النص والسلطة. ومن هنا جاءت الحاجة إلى نقاش هادئ في مصادره، قوي في حجته، واضح في منطقه، في انتظار قراءة الكتاب نفسه قراءة مباشرة بعد توفره.
فالإنصاف يقتضي أن نفرق بين خطاب شفهي في حلقة حوارية، وبين كتاب قد يحمل تفصيلًا أوسع، وتوثيقًا أكثر، واحتياطًا في العبارة. غير أن ما ورد في الحلقة يكفي لفتح باب الرد، لأن القضية تمس أصلًا من أصول الدين، وتمس علاقة المسلمين بكتابهم، وتمس تاريخ الحفظ والتلقي الذي تشكلت حوله علوم كاملة.
تبدأ خطورة هذه القراءة من زاويتها الأولى، فهي تقترب من القرآن بمنظار مادي يغلب عليه النفس الماركسي، حيث تفتش عن السلطة خلف كل لفظ، وعن الصراع خلف كل جمع، وعن الإقصاء خلف كل توحيد، وعن الهيمنة خلف كل رسم. وبهذا المنظار يغيب الوحي، ويظهر الصراع، ويغيب التلقي، وتظهر الدولة، ويغيب الحفظ، وتظهر المؤامرة.
وهذا النوع من القراءة يخدم أجندة واضحة، سواء قصد صاحبها ذلك أم تركه يعمل من داخل أدواته، لأنها تبدأ بسؤال يبدو بريئًا: كيف جُمع القرآن؟ ثم تقود السامع إلى إيحاء ثقيل: المصحف الذي بين أيدي المسلمين ثمرة صراع، وانتقاء، وإقصاء، وسلطة. وبين السؤال والإيحاء تمر عبارات شديدة الجاذبية: حرب المصاحف، الدولة، القراء، المصحف الرسمي، القراءات المقصاة، الرسم العثماني….الخ
غير أن هذه الدعاوى، مهما علت نبرتها، تتهاوى أمام امتحان النصوص التاريخية، وأمام ميزان المنطق، وأمام علم القراءات، وأمام المباحث التي دأبنا على حفظها في مادة علوم القرآن، وكذا أمام عدد من الدراسات الغربية المنصفة في المخطوطات القرآنية.
أول ما يطرحه الناجي هو التفريق بين الوحي والمصحف المكتوب، ثم يجعل القرآن، في صورته المصحفية، ثمرة مسار تاريخي مشبع بالسياسة. وهذه زاوية تضيق بالنصوص نفسها، فالقرآن يتحدث عن الجمع والحفظ في قوله تعالى: “إن علينا جمعه وقرآنه”، كما يتحدث عن حفظ الذكر في قوله تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. فالجمع والحفظ والكتابة ليست عناصر غريبة عن قصة القرآن، وإنما تدخل في صميم وعي المسلمين الأوائل بالنص.
وتأتي رواية زيد بن ثابت في صحيح البخاري، في كتاب فضائل القرآن، لتضعنا أمام صورة واضحة. فقد روى زيد أن أبا بكر كلفه بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة، وأنه تتبع القرآن من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، ثم بقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند حفصة. فهذه الرواية ترسم مسارًا مركبًا يجمع الكتابة السابقة، والحفظ الحي، وكاتب الوحي، والصحابة الذين شهدوا التنزيل، وصحفًا محفوظة في بيت من بيوت النبي.
ومن هنا يسقط تصوير المصحف كأنه خرج من مكتب سياسي مغلق، إذ كيف تستطيع سلطة أن تنسج نصًا جديدًا وسط هذا الزحام من الحفظ، والكتابة، والشهود، والتلاوة اليومية في الصلاة والمساجد والبيوت؟
ثم يرسم الناجي البدايات كأنها ساحة مفتوحة لمصاحف متنازعة، وهذه صورة تصلح للعنوان المثير أكثر مما تصلح للتاريخ. فقد كان القرآن محفوظًا في الصدور، ومكتوبًا في مواد متفرقة، ثم جمع في صحف زمن أبي بكر، ولما جاء عثمان طلب صحف حفصة نفسها، وجعلها أصل النسخ العامة. وهذه النقطة حاسمة، فمن يصنع نصًا جديدًا لا يستدعي أصلًا سابقًا محفوظًا عند حفصة، ومن يريد إخفاء نص لا يجعل مرجعه صحفًا معروفة النسبة، محفوظة منذ أبي بكر.
أما المصاحف الخاصة المنسوبة إلى بعض الصحابة، فينبغي وضعها في موضعها العلمي. فقد كانت نسخًا تعليمية، أو ترتيبات خاصة، أو مصاحف فيها حواش تفسيرية، أو أوجه قراءة قبل الجمع العام. والفارق واسع بين دفتر قارئ، ومصحف عام تلقته الجماعة، وبين أثر خاص في التفسير، ونص قرآني حملته الأمة بالتواتر.
وتظهر دعوى أخرى في صورة عثمان الذي فرض نصًا بسلطة الدولة. هنا يعود خبر البخاري ليغلق الطريق على التخمين. فقد رأى حذيفة بن اليمان اختلاف الناس في القراءة بين أهل الشام وأهل العراق، ففزع إلى عثمان وقال له: أدرك الأمة. فاستدعى عثمان صحف حفصة، وكلّف زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخها في مصاحف، ثم أرسلها إلى الأمصار.
فما جرى هنا فعل نسخ وتوحيد للقراءة العامة، لا فعل إنشاء لنص مجهول. فعثمان اشتغل على أصل سابق، وبواسطة لجنة من الصحابة، وفي المدينة، وبين من حفظوا وقرأوا وشهدوا. ولهذا تتكسر صورة الحاكم المنفرد الذي يكتب للأمة قرآنًا جديدًا، لأن الخبر نفسه يضع أمامنا أصلًا محفوظًا، ولجنة، وصحابة، وأمصارًا، وقراءة عامة.
ثم تأتي شهادة علي بن أبي طالب، وهي من أثقل الشهادات في هذا الباب. فقد نقل عنه أهل المصاحف أنه قال في فعل عثمان: “والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا”، وروي عنه أيضًا: “لو وليت لفعلت مثل الذي فعل”. وهذه شهادة رجل من كبار الصحابة، ومن أكثرهم علمًا وقرابة من النبي، ومن أكثر الناس قدرة على الاعتراض لو وقع في الأمر مساس بالنص.
وبهذه الشهادة يخرج فعل عثمان من دائرة الاستبداد إلى دائرة الإجماع العملي، فالقرار لم يكن نزوة خليفة، ولا مناورة دولة، ولا إجراء قصر، وإنما كان عمل جماعة خافت على القرآن من تشتت الألسنة، فجمعت الناس على رسم واحد يضبط القراءة العامة.
أما إحراق المواد الأخرى، فقد جعل منه الناجي صورة درامية. كلمة النار تفعل فعلها في الخيال، إذ يسمعها المتلقي فيرى إخفاءً وتدميرًا وطمسًا. غير أن الرواية نفسها تذكر أن عثمان نسخ من صحف حفصة، وأرسل المصاحف إلى الأمصار، ثم أمر بإزالة ما سواها مما قد يفتح باب الاضطراب. فالأصل بقي معلومًا، والصحف عادت إلى حفصة، والمصاحف الرسمية خرجت إلى مراكز الأمة.
ومن أراد إخفاء نص، أخفاه في حرز، أما عثمان فأرسله إلى الأمصار. ومن أراد العبث بالمصحف، بدأ من رأيه، أما عثمان فبدأ من صحف أبي بكر. ومن أراد السيطرة على القرآن، أسكت القراء، أما عثمان فجعل القراء والكتبة داخل العملية نفسها.
وتأتي بعد ذلك دعوى الصراع بين الدولة والقراء. وهنا يلبس التاريخ ثوب صراع حديث، كأن القراء كتلة شعبية متمردة، وكأن الدولة سلطة مركزية جاءت لتكسرهم. وهذه صورة تنقل قاموس القرن التاسع عشر إلى القرن الأول الهجري. فزيد بن ثابت كان كاتب وحي وقارئًا، وحذيفة صاحب المبادرة كان صحابيًا قارئًا، واللجنة كانت من أهل العلم باللسان والكتابة، وعلي أيّد العمل، والمدينة كانت ممتلئة بمن يحفظ ويسمع ويتعلم.
ويجعل الناجي الرسم العثماني أداة سلطة، وهذه دعوى تنقلب عند فحص العلم والمخطوط. فالرسم العثماني ليس خطًا اعتباطيًا، وإنما هو وعاء للقراءات المعتبرة، وحاجز أمام الانفلات، وأثر كتابي مبكر حفظ شكل النص قبل اكتمال التنقيط وضبط الحركات. ولهذا جعل علماء القراءات موافقة الرسم ركنًا من أركان القراءة الصحيحة. ومن هذه الجهة تأتي أهمية الدراسات الغربية الحديثة. فقد فحص مارين فان بوتن، في دراسته حول “النموذج العثماني المكتوب”، عددًا من المخطوطات القرآنية المبكرة، وركز على الخصائص الإملائية المشتركة بينها، وخلص إلى أن هذا التشابه الدقيق يدل على أصل كتابي واحد مبكر. ومعنى ذلك أن المصاحف المبكرة لا تبدو كأنها نصوص خرجت من إملاءات شفوية متفرقة، وإنما تحمل أثر نموذج مكتوب سابق.
وهذه النتيجة تمنح الرواية الإسلامية قوة إضافية، فالرسم المشترك يخدم دعوى الأصل الجامع، ويضعف دعوى الفوضى النصية. وكلما ضغط التأويل السياسي على الرسم العثماني، زادت قيمة الرسم كشاهد مادي على الضبط.
ثم تأتي دعوى التوحيد المتأخر، وكأن المصحف استقر بعد مسار طويل من الصراع السياسي. هنا نجد باحثًا غربيًا مثل نيكولاي سيناي يناقش فرضيات التأخير إلى زمن عبد الملك أو ما بعده، ثم يجعل التاريخ المبكر للرسم القياسي، قريبًا من منتصف القرن السابع الميلادي، الرأي الأقوى ما لم تظهر أدلة أقوى. وهذا كلام باحث غربي في الدراسات القرآنية، و ليس كلام خطيب يردد الموروث.
وتضاف إلى ذلك قرينة مخطوط برمنغهام، فقد أعلنت الجامعة أن فحص الكربون المشع أرجع تاريخ الرق إلى ما بين 568 و645 للميلاد، بنسبة دقة عالية. صحيح أن تاريخ الرق لا يساوي دائمًا تاريخ الكتابة نفسها، غير أن القرب الزمني يضعف سردية النص الذي ظل يتشكل زمنًا طويلًا تحت ضغط الدولة.
أما مخطوط صنعاء، فيُستدعى في مثل هذه النقاشات كأنه شاهد دامغ. غير أن الدراسة الهادئة له تعطي صورة أدق. فقد درس صادقي وجودارزي النص السفلي في مخطوط صنعاء، وعدّاه شاهدًا مهمًا على مرحلة مبكرة، مع اختلافات محدودة، ومع إشارة إلى أن السور كانت قد تشكلت في زمن أسبق. ومن هنا فإن وجود شاهد مغاير داخل بحر واسع من الشواهد العثمانية المبكرة يفتح باب دراسة دقيقة، ويؤكد في الوقت نفسه قوة النمط العثماني الذي غلب وانتشر مبكرًا.
تطرق الناجي إلى أمثلة من الآيات، ومنها آية الأنفال: “يسألونك عن الأنفال”. يقرأها بمنظار الصراع على الغنيمة والسلطة. والآية جاءت فعلًا في سياق عملي بعد القتال، إذ سأل الصحابة عن الغنائم، فجاء الوحي يضبط الأمر. فهذا سياق تشريعي طبيعي في جماعة تخوض حربًا وتبني أحكامها. أما تحويل السياق إلى شبهة نصية، فيحتاج دليلًا من جنس القرآن: رسمًا، وتلقيًا، وقراءة معتبرة. فالسياسة قد تشرح سبب السؤال، لكنها لا تجعل السؤال دليل اضطراب في المصحف.
وفي آية الصفا والمروة، يتوقف الناجي عند قوله تعالى: “فلا جناح عليه أن يطوف بهما”، ويرى في العبارة أثر حرج قديم. والجواب موجود في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة، فقد كان بعض الأنصار يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة بسبب صلة قديمة بمناة، فجاءت الآية ترفع الحرج، ثم قررت عائشة أن النبي سن السعي بينهما. وهكذا يعالج القرآن ذاكرة جاهلية، ويعيد توجيه الشعيرة داخل أفق التوحيد، فتغدو العبارة شاهدًا على بيان الحكم، لا شاهدًا على اضطراب النص.
ومثال “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم” وما ورد في بعض الأخبار من عبارة “وهو أب لهم” يدخل في الباب نفسه. فبعض العبارات المنسوبة إلى الصحابة تكون تفسيرًا، أو بيانًا للمعنى، أو قراءة شاذة لا تحمل شرط القرآن. والسؤال الحاسم هنا: هل تلقتها الأمة قرآنًا؟ هل وافقت الرسم العام؟ هل نقلها القراء بالتواتر؟ عند غياب هذه الشروط تستقر العبارة في باب الشرح، لا في باب القرآن المتلو.
ثم يربط الناجي النسخ بتشكل النص، وهنا يظهر خلط آخر، فالنسخ في علوم القرآن وقع داخل زمن الوحي، حيث يرفع حكم، أو يتغير حكم، أو تنتقل مصلحة شرعية بتوجيه الوحي نفسه. أما جمع المصحف فجاء بعد تمام الوحي لحفظ ما استقر عليه العرض والتلقي. ومن ثم فالنسخ يدل على أن الوحي كان يربي جماعة حية، ويجيب عن وقائعها، ويقود تحولها، ولا يمنح أحدًا حق القول إن الجماعة صنعت نصها بعد وفاة النبي.
وتتكرر دعوى أن الدولة امتلكت النص، وهذه الدعوى تقف أمام جدار عال من الواقع التاريخي. فقد كان القرآن محفوظًا في الصدور، ومكتوبًا في الصحف، ومقروءًا في الصلاة، ومتعلمًا في البيوت والمساجد، ومنتشرًا مع الصحابة والقراء في الأمصار. ومن أجل أن تعيد الدولة صنع النص، كان يلزمها إسكات المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، كما كان يلزمها إسكات الصحابة، وأمهات المؤمنين، والقراء، والخصوم السياسيين، والناس الذين يتلون القرآن في صلاتهم. وهذا تصور يطلب من العقل أن يقبل رقابة شاملة في زمن لم يملك أدوات الرقابة الشاملة. ولهذا أشار نيكولاي سيناي، في سياق مناقشته للفرضيات المتأخرة، إلى صعوبة تصور سلطة إمبراطورية قادرة على محو نص ديني متداول على نطاق واسع، ثم فرض نسخة جديدة دون آثار مقاومة بحجم الحدث.
إن القراءة التي قدمها الناجي تقوم على تحويل كل معطى إلى صراع: القراء ضد الدولة، والمصاحف ضد المصحف، والرسم ضد الحرية، والتوحيد ضد التعدد، والقراءة الشاذة ضد القراءة المتواترة. وهذه شبكة تفسير جاهزة تدخل إلى النص ومعها حكمها، ثم تبحث في المصادر عما يؤيد الظن، وتترك ما يكسر البناء من أساسه.
التعليقات