فى فهم الالتباس بين المحافظة والأصولية فى مصر
مارك مجدي
يفكر البشر عبر اللغة، ولا يتعامل العقل البشرى مع الظواهر الخارجية حسيًا فقط، لكنها أشياء تأخذ مسميات وتصنف داخل شبكة من الدلالات. ولهذا من الطبيعى أن يكون الجانب الاصطلاحى جزءا أصيلا من الدراسة العلمية للظواهر المختلفة. المصطلحات والتسميات الأكثر دقة وتفصيلًا تساهم أكثر فأكثر فى الفهم الواقعى للظواهر الاجتماعية الحية والمستمرة التى يجارى العقل البشرى تطورها، فكلما طرأ على القاموس جديد عبر ذلك عن معرفة علمية جديدة ندركها كل يوم.
وضع المفاهيم والمسميات وتبيانها ممارسة مفصلية فى الفهم المطلوب لتحديد المواقف من الظواهر المتنوعة المحيطة بنا فى الحياة اليومية.
الكلمات السابقة تأتى على خلفية سجالات أشارك فيها مع فاعلين فى المشهد الثقافى والسياسى، سجالات تتمحور حول الميول الثقافية للمصريين وما تعكسه من توجهات سياسية، فهناك انطلاقة مبدأية ينطلق منها عدد من الفاعلين السياسيين فى مصر وهى أن ثقافة عموم المصريين تميل للمحافظة، وهذا صحيح، أغلب المصريين محافظون ثقافيًا وسياسيًا، لكن هناك حقيقة يغفلها البعض عمدًا أو عن غير عمد، وهى أن المحافظة ليست هى الأصولية.
ما أقصده هنا هو أن الميول المحافظة للمصريين تختلف عن الأدلجة الأصولية، وهذه الأخيرة ليست مجرد درجة أعلى من المحافظة، لكنها شىء مختلف عنها وإن كان قريبًا لها. فالمحافظة تعنى الميل إلى الحفاظ على التقاليد وأنماط الحياة بقدر ما دون الانعدام الكامل للمرونة فى التكيّف مع الظروف، بينما تقوم الأصولية على اعتبار أصل نصى أو مرجعى معين هو الحقيقة النهائية التى يجب أن يتم تشكيل الواقع الراهن على أساسها دون الأخذ فى الاعتبار لأى مشكلات طارئة يفرضها الواقع المتغير.
المحافظة هى اتجاه يقبل الثقافة الموروثة باعتبارها تمثل إطارًا للهوية والاستقرار، ويهدف إلى الحفاظ عليها ونقلها عبر الزمن مع قبول تغييرات محدودة لا تمس جوهرها. وربما أفصل مصدر فى استيعاب المحافظة كظاهرة هو كتاب «معنى المحافظة» لروجر سكروتون.
بهذا التوصيف فإن الميل العام للمصريين سيكون محافظًا لأسباب عديدة منها أن المساحة المصرية يغلب على 60٪ منها الطابع الريفى المحافظ بطبيعته وهذه مسألة تتعلق بالتنمية، وليست هذه المسألة موضع الحديث.
أما الأصولية فهى فى واقع الأمر موقف جذرى من التحديث والحداثة، يرفض التعامل العقلانى مع حركة التغيير التاريخية الطبيعية التى تحدث للمجتمعات البشرية بشكل تلقائى من تطور إنتاجى وتكنولوجى يؤثر على شكل حياة البشر وتغير العلاقات بينهم فى المجتمع. المشكلة عند الأصولى ليست فى التطور التكنولوجى بالطبع، لكن فى العلاقات الحديثة التى تنشأ عن هذا التطور. الدولة الحديثة والحقوق المدنية والسياسية وحريات الأفراد فى التعبير والاعتقاد الحر والمناخ المتحرر الذى ينشأ عن هذه الحقوق هو العدو الحقيقى للأصولية التى تريد أن تعيد إنتاج الماضى الذى يسرده نص اعتقادى معين.
المشكلة أنه فى الحالة المصرية اندمجت التكوينات الاجتماعية محافظة الطابع أيديولوجيًا مع الأصولية لأسباب سياسية بالدرجة الأولى: عودة تيار الإسلام السياسى فى السبعينيات بقرار رئاسى تبعتها هيمنة خطابه على المجال العام، وتربى المصريون طوال الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفينات على هذا الخطاب بتنويعاته المختلفة التى تختلف فى جذريتها حسب كل فرقة من فرق هذا التيار. عاش المصريون قبل ذلك بميول محافظة كذلك، لكنهم لم يكونوا بأى شكل من الأشكال يرون أن المسلمين طائفة قى مواجهة طوائف أخرى، ولم يعتقدوا أن الدولة الحديثة دولة ناقصة الإيمان لأنها لا تطبق منظورا معينا للشريعة… إلخ… وكذلك لم يعرفوا زيًا معينا يميز المؤمن عن غيره. وهى جميعها ادعاءات وتأثيرات التيار الأصولى. لا يزال التأثير الخطابى للتيار الأصولى مؤثرًا وباقيًا وإن لم يسد سيادة مطلقة فى أى لحظة من اللحظات. كما أن الأصولية موجودة فى كثير من المجتمعات بالطبع، وهى ليست حكرًا على دين معين، الأصولية المسيحية لها تاريخها العنيف الطويل، والأصولية اليهودية تعيش فى منطقتنا قسرًا وتأتى علينا بالحرب والدمار.
على أى حال، فإن هذا التمييز بين المحافظة والأصولية يترتب عليه مجموعة من المعطيات:
1- إن تيار الأصولية الدينية ليس هو التعبير السياسى عن غالبية المصريين الذين يميلون ميولًا محافظة ثقافيًا وسياسيًا. وإن أشكال التدين تتنوع بين تدين رسمى وآخر شعبى.
2- إن النزعة الأصولية فى التفكير التى تفترض صحة نص أو سردية معينة خارج إطار اعتبارات الزمان والمكان وتعتمد تفسيرا وحيدا له هى ضمن خطاب واحد بين خطابات فى المجتمع وإن هيمن خطابها لفترات معتبرة.
3- إن هذا الخطاب الأصولى الجذرى ممكن أن يعود لحالة الأقلية كما كان الأمر قبل موجة «الصحوة الاسلامية» فى السبعينيات والثمانينيات. إذا ما وُضعت رؤية ثقافية سياسية نحو تجديد «الخطاب» فى المجتمع، الخطاب الدينى والسياسى والثقافى وليس الدينى فقط. وليس الحل الذى اقترحه بهذا الصدد هو التضييق الأمنى على أعضاء هذا التيار، وليترك الأمن والعقوبات للقانون والمشرعين.
التعليقات