فلسفة الأخلاق والذكاء الاصطناعي

26 فبراير 2026

عزالعرب لحكيم بناني

يعود العامل الأول في جاذبية الذكاء الاصطناعي إلى المشكلة الفلسفيّة التي طرحت منذ الخمسينات: هل الآلة تفكر ؟

هذا ما شجع على تطوير روح الابتكار والمغامرة لدى فئة من شباب لم يتجاوز أربعين سنة في عمره، لاختراع آلات تفكر، ربما تحسُّ وتنفعل وتتخذ قرارات وتقوم بخدمات تتجاوز قدرات الإنسان في التفكير والحساب؟ لم يتوقع هذا الشباب العواقب الأخلاقيّة ولا الاجتماعيّة ولا المخلفات الاقتصاديّة التي نتجت عن ابتكار برامج الخوارزميات على المدى البعيد، بعد أن تحولت إبداعات الشباب إلى شركات عملاقة وإلى ثورة عالمية.

لم يكترث الشباب بالمشاكل الأخلاقية التي نجمت عن تطوير برمجيات للتحكم في قاعدة البيانات أو لاستغلالها. وبما أنَّ العاملين في المجال من فئة عمريّة محدّدة فإنَّ ذلك يطرح سؤالا محدَّدًا: هل يؤثر عامل السنّ على نوعيّة الأخلاق، وأقصد بها نوعية العادات وأنماط السلوك الأخلاقي؟ هل يوجد ارتباط بين الفئة العمريّة وطبيعة الأخلاق التي تتبناها تلك الفئة؟ ثم سأقوم بربط غريب ومفاجئ بين البحث في الذكاء الاصطناعي والإبداع في المجال الأدبي، لا سيما في الرواية. ألم تقم هي كذلك باختراق الحواجز الأخلاقية؟ ألا يجوز القول إنَّ المشترك بين الروائيين والمشتغلين في الذكاء الاصطناعي هو الإبداع؟ ألا يجوز القول في الأخير إنَّ المشكلة الأصلية كانت دومًا بين الإبداع والأخلاق؟

الذكاء الاصطناعي وروح الابتكار لدى جيل الشباب.

المفارقة مرتبطة بوضع البحث في الأخلاق في البلاد العربيّة.

كيف نطور أخلاق النُّصوص والأخلاق النظرية بفضل التّحدّيات المطروحة في القضايا الحارقة كالإعدام والعنف والقتل الرحيم والذكاء الاصطناعي.

لماذا نفصل بين الأخلاق morals والإيتيقا المقترنة بالأعراف الاجتماعية في جانبها التطبيقي؟ ولماذا تظل الأخلاق معزولة عن المجتمع؟

عندما نناقش الذكاء الاصطناعي تغيب مناقشة عمومية للأخلاق التطبيقية المقترنة به؛ كما تظهر فجوة عميقة بين من يدعو إلى الاكتفاء بالذكاء الطبيعي خوفًا من الذكاء الاصطناعي وبين من يدعو إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي بشكل متهور وغير مسؤول ودون حس نقدي، بدون حدود أخلاقية.

محنة الأخلاق في مواجهة الإبداع؟

الذكاء الاصطناعي في الأصل ابتكار، وبهذا المعنى أتساءل:

هل يستطيع أحد أن يواجه الإبداع؟ لا يمكن خصوصا عند استثماره في الاقتصاد والصناعة والطب، أو على الأقل لأنّه يخلق واقعًا جديدًا لم يكن معروفا.

ولذلك أعتبر أنّه لا يمكن وقف التطور في حقل الذكاء الاصطناعي لأنَّه يتمتّع بجاذبيّة شبيهة بجاذبية عالم الرواية وشبيهة بجاذبية العوالم الممكنة في المنطق والرياضيات والخوارزميات.

ظهرت روح الإبداع في الرواية أوَّلا على نحو غير مسبوق، بالعودة إلى الفيلسوف الألماني هانس بلومنبرغ.

عالم الرواية وعالم الذكاء الاصطناعي:

يوجد تشابه بين عوامل جاذبية الذكاء الاصطناعي وعوامل انتشار جنس الرواية. المشترك بين الذكاء الاصطناعي والرواية هو أنّنا لم نعد نوجد أمام الواقع، كما عرفناه، بل أمام واقع بديل، في عوالم الأدب والرواية.

النتيجة هي أنَّ الذكاء الاصطناعي الرواية يتجاوزان القيم الاجتماعية المعروفة.

مع ذلك يوجد انفصال بين الرواية والذكاء الاصطناعي:

عيب الشعراء والروائيين من زاوية أخلاقيّة هو أنّهم يكذبون. لا يغيّر الشاعر الواقع، بل يكتفي بدفع الناس إلى الإحساس بعذوبة الكذب الجميل؛ أما العوالم الخيالية التي يدخلنا فيها الذكاء الاصطناعي، فهي قد تؤدي إلى تغيير الواقع من خلال التلاعب بالبيانات والتحكم في الواقع من خلال جمع المعطيات الكاملة والاستعانة بها في الحروب الذكية وتغيير طبائع الأشياء؛ كما قد تؤدي إلى نشر أخبار زائفة واختلاق معلومات غير موجودة ومؤلفات موسيقية لم يبدعها بشر واقعيون.

هكذا، نشعر بالاستياء وإلى الإحساس بوجود مشكلة أخلاقية إذا ما اعتمد باحث على الذكاء الاصطناعي في إنجاز كتاب، أو على برنامج في الترجمة بما أن المؤلف الموسيقي لا يختلف عن المحتال.

ما هو المشكل في كلِّ هذه الحالات؟

توجد جاذبية مشتركة تتجلى في وجود روح ابتكار تجمع الرواية بالذكاء الاصطناعي. المشكل هو أنَّ الرواية تبتكر عوالم خيالية، بينما يخلق الذكاء الاصطناعي واقعا جديدًا افتراضيًّا يتداخل مع الواقع ويتدخل في الواقع، دون أن يعلم مستعمل الذكاء الاصطناعي أين ينتهي الواقع الافتراضي ويبتدئ الواقع الفعلي، مع كل الآثار الناجمة عن تجاهل الفرق بينهما.

تتطلب الأخلاق في البداية تمييزا واضحا بين الموجود الواقعي والموجود الخيالي؛ بينما المشترك بين الرواية والذكاء الاصطناعي هو أنَّ الواقع البديل يتعارض في وجوده مع الواقع المألوف ولو أنَّ الروائيَّ والمتلاعب بالذكاء الاصطناعي يتلاعب بهما معًا.

صحيح أنه لم يظهر مشكل أخلاقي ضخم في الرواية بخصوص الواقع؛ نقرأ الرواية ونغلق الكتاب، ننسحب من الواقع البديل ونعود إلى الواقع المألوف، وهذا دليل على أن تدخل الرواية في الواقع المألوف محدود؛ ناهيك عن أنَّ الواقع المألوف يقاوم الواقع الخيالي البديل ويحاكمه (كم من روائي تعرض للمحاكمة وفتاوى القتل نتيجة الخلط بين آراء الكاتب وآراء الراوي).

المشكل الأخلاقي الذي يظهر مع الذكاء الاصطناعي هو أنّه ولا ندري آنذاك ما هي القيم الأخلاقية البديلة التي تقال على تلك العوالم، وما العمل إذا ما اصطدمت المخلفات مع أخلاقنا المألوفة في الواقع المألوف؟

واجهت الرواية أخلاق العالم المألوف بابتكار أخلاق ما بعد الحداثة. لكنَّ مشكلة الذكاء الاصطناعي هي تغيير معالم الواقع المألوف، وخلق واقع بديل تجاوز طرق التواصل والتعامل الاقتصادي والمعاملات الاجتماعية، وأصبحت مشكلة الأخلاق هي مشكلة التوتر بين واقعين وعالمين، دون أن نعلم ما الذي يبتُّ في المنظومة الأخلاقية هل العالم المألوف أم العوالم البديلة؟

نحن لا نقارن هنا بين واقعين واقع مألوف من جهة وواقع بديل وسيصبح مألوفا يوما ما، بل نقارن بين واقع نعتقد أنه مألوف، وواقع آخر مجهول، لأن العواقب البعيدة للذكاء الصناعي غير معروفة، وقد تكون مدمرة للجنس البشري، إذا ما أصبح الواقع البديل بداية ظهور عوالم قد يختفي فيها الإنسان المألوف ذاته. نفتح الرواية نقرأها ونغلق الكتاب عند آخر صفحة، بينما تتوالى صفحات كتاب العالم الافتراضي دون أن نصل الصفحة الأخيرة.

رغم كلّ هذه المخاوف، يتمتّع الذكاء الاصطناعي بجاذبيّة خاصّة لأنّه غيرَّ صورتنا عن الواقع وأدخلنا عوالم غير مطروقة. وهذا يعني أنَّ ظهور واقع جديد يعني التساؤل حول طبيعة الأخلاق الجديدة؟

هل يفرض الذكاء الاصطناعي علينا أخلاقا جديدة، حتى ولو كانت ظالمة، وأنّى لنا أن نواجهها بعد أن تغيّر العالم؟

نحن نطمئن في العالم العربي إلى الواقع المألوف لأنّه ابتكر أخلاقا مألوفة، تربط بين الخَلق والخُلُق، وتميز بين الطبيعة البشريّة السوية والانحرافات.

جاذبية الذكاء الصناعي هي أنه تجاوز الواقع المألوف، مستفيدًا من الشكّ في وجود الواقع؛ ذلك أنّنا من منظور عقلاني ديكارتي لا نعرف ما هو الواقع ولا هل هو موجود؛ ولا يوجد إلا لأن الله يضمنه. خلق الروائيون واقعا بديلا لهذا الواقع المزعوم وأجدوا توتُّرًا بين تصورين للواقع: بين تصور مألوف يعتبر أنَّ الواقع ينبني على معطيات العالم المعيش (هوسرل) وأسلوب الحياة (فتغنشتاين) وتصور آخر لدى الروائيين ويتعلق الأمرُ فيه بمفهوم الواقع كما يتحقق في سياقهم المقالي Kontext. هذا واقع ينتج عن فعل تحقيق وإبداع في صورة متماسكة، ولكنه تماسكٌ، كما يقول بلومنبرغ، لا يمكنه أن يظل مستمرا ولا أن يتّخذ شكلا نهائيا ومستقرًّا بصورة مطلقة، لأنَّ التماسك مؤقت وستظهر عناصر تُفكِّكُ التماسك السابق وتُفرغ ما كان يُعتبرُ واقعا من أي جوهر واقعي.

واقع الروائيّين كان جزءًا من ثورة العصر الحديث، لكن واقع الروائيين دخل في توتُّر شديد حدوده في تصور الواقع المألوف، لأنَّ هذا الواقع معروف بتجربة المقاومة في مواجهة عوالم واقع الروائيين. لا يستسلم الواقع المألوف لنزوات الذات ولا لأحلامها بل يقاومها، بما أنَّ الموجودات الخيالية تهدّدُ الذّات وتضلّلها. بهذا المعنى، فإنَّ مفهوم الواقع المتصل بالسياق المقالي يقود إلى مفهوم الواقع الذي يقترن بتجربة مقاومة الموجود المعطى.

مع ذلك، ظلَّ عالم الروائيين عالما بديلا يحظى بجاذبيته على الدوام؛ واستبق ما نشهده في العوالم الافتراضية للذكاء الاصطناعي.

توجد فروق كثيرة بين العالمين:

– الفرق الأولُ بينهما هو أنَّ واقع الروائيين يدخل في توتُّر دائم مع الواقع المألوف، دون أن يُحدث فيه تغييرا على المدى القصير؛ كما لم يُحدث أبدًا ثورةً بمثل هذه السرعة التي لم تجعل مذاهب الأخلاق قادرة على التكيف مع وتيرتها المتزايدة. يتطور الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، وتفرق إلى تخصصات متشعبة لا يمكن أن يحيط بها أحد في شموليتها، مهما عظم حجم فريق الباحثين.

– ما يجعل ثورة واقع الذكاء الاصطناعي مختلفا بصورة جوهرية عن ثورة الرواية هو أن الثورة التي أحدثها الذكاء الصناعي تشبه الثورة التي كان قد أحدثها الانتقال من الثقافة الشفوية إلى الكتابة والثورة التي أحدثها الانتقال من نسخ الكتب إلى الطباعة. من هنا ننتقل إلى المنطق وثورة الذكاء الاصطناعي.

المنطق واللغة وثورة الذكاء الاصطناعي:

تذكر سوزانّا كوندور كيف أنَّ مفهوم الواقع تغيّر في البداية عند الانتقال إلى الكتابة، وأعطت مثال دونس سكوت. يفترض مفهوم الواقع لدى دونس سكوت تعلم الكتابة: بدون الابتكار التقني للحروف الهجائيّة لم يكن بإمكان هذا البناء المعقد أن يظهر إلى الوجود. يعني ذلك أنَّ الانتقال من الثقافة الشفوية إلى الكتابة واستعمال الحروف الأبجدية كانا ثورة حقيقية:

في البداية كانت الكتابة قائمة على علاقة سببية باطنية بين الاسم والمسمى في السياق التعبُّدي. فلم تكن العلاقة اعتباطية بين الاسم والمسمّى. وفجأة تحرَّرَ اللفظ من سلطان المرجع وظهر عالمٌ غير متناه من المعاني والموجودات الواقعية وغير الواقعية بفضل التأليف الحرّ بين الحروف لتشكيل مفردات وبين المفردات لتشكيل الجمل. أدّى فكّ الارتباط بين اللفظ والدّلالة إلى بروز عوالم جديدة لا يستطيع أحد أن يتحكَّمَ فيها.

افترضت سوزانّا كوندور ثانيا أنَّ الثورة الثانية قد حثت مع ظهور الطبعة وتغير مفهوم الواقع ومعنى العلم؛ اهتدى ليبنتز ‘إلى فكرة “لغة رمزيّة فلسفيّة، خوارزميّة صناعيّة” characteristica universalis، لتمثيل المفاهيم الرياضية والهندسية ومحاكاة بنية الفكر ذاتها. كان حلم لينتز هو أن يبتكر حساب القضايا الذي يمكن تطبيقه بصورة آلية. وقد كانت نتائجه باهرة على تطور المنطق ونظرية العوالم الممكنة. أفضى ذلك إلى افتراض وجود عوالم ممكنة كثيرة حقق الله أفضلها. ويعني افتراض وجود عوالم كثيرة من الزاوية العلميّة أنّنا أصبحنا نميّز بوضوحٍ بين القضايا الحادثة والقضايا الممكنة (صادقة في عالم ممكن وكاذبة في الواقع) والقضية الضرورية (صادقة فيهما معا) والقضية الممتنعة. النتيجة المباشرة هي أنَّنا نعتبر أنَّ القضية ممكنة إذا ما كانت ، وممتنعة (كاذبة في العالم الواقعي والممكن) إذا ما كانت وضرورية (صادقة في العالم الواقعي والممكن). أدت لغة المنطق الرمزي إلى انبثاق عوالم كثيرة، ممّا يجعل عالم الاحتمالات والافتراضات ليس أقل أهمية من عالم الوقائع المادية. مجموع العوالم الافتراضية هو الذي يعطي معنى للصدق، بناءً على المسلمات الأولية وعلى القوانين المنطقية.

لم يعد الصدق يتعلق بما بالعالم الواقعي، بل بالعوالم الافتراضية. نتحدث الآن عنها في الرواية وفي منتجات الذكاء الاصطناعي. ووقع زواج المصالح بين خيال الرواية وذكاء الآلة، ممّا أدى إلى هدم الجسور بين سرديّة الرّواية وخوارزميات الآلة.

لكنَّ السرد شيء والواقع شيء آخر. ويجب أن نغادر أحلام السرد للدعوة إلى تقنين استعمال الذكاء الاصطناعي (كما هو الحال في أوروبا وفي خطاب الأمين العام للأمم المتحدة 12 فبراير 2026)؛ وللتنبيه إلى الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب واحتكار البنيات التحتية وصناعة الشرائح لتخزين المعلومات والطاقة الكهربائية لتشغيلها.

بعد هذا كله:

تعزّز قواعد بيانات الذكاء الاصطناعي الأحكام المسبقة الجاهزة في المجتمعات التي تحتكر صناعة الذكاء الاصطناعي، وتقوم الخوارزميات بنمذجة الأفكار المسبقة، ممَّا يستدعي إدخال تعديلا عميقة على منظومة المعطيات أو الخوارزميات.

وإذا لم يحتفظ العالم المألوف بقوته الأخلاقية النقدية قد يتنازل أمام العوالم الافتراضية فيتغيّرَ ويستحيل أكثر بشاعة مما كنا نعرفه.

مع ذلك، لا نشترك مع هيدغر في نقد التقنية ولا نتبنى عقدة فرانكشتاين. لا ينبغي أن تصبح الأخلاق كابحا للبحث في الذكاء الصناعي ولا عاملا سلبيا في تطويره. ولكنَّ الأخلاق نفسها هي التي تنطلق من تمييز واضح بين الواقع المألوف والخيال، حتى نميّز بين الإنجاز العلمي الذي يحققه العقل البشري عن الإنجاز الذي تحققه الآلة، حتى لا نغير الكوجيتو الديكارتي “أنا أفكر، إذن أنا موجود” إلى كوجيتو مجهول النسب “هو يفكر، إذن أنا موجود”.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...