غربان تل أبيب.. بين الظاهرة الطبيعية والتأويلات الغيبية

25 مارس 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس

أثار المشهد الذي وثقته اليوم مقاطع مصورة لأسراب كثيفة من الغربان فوق تل أبيب، وخصوصا في محيط أبراج عزرائيلي، موجة واسعة من التأويلات الدينية والغيبية، لأن الظاهرة وقعت في لحظة مشحونة بالحرب والخوف والتوقعات المفتوحة على الأسوأ.

يشار إلى أن البعض وصفها بالغربان، لكن من المرجح علميا أن تكون أسرابا من الطيور المهاجرة، وربما الأصح أنها من اللقالق، في سياق موسم الهجرة المعروف عبر الأراضي الفلسطينية.

واستند التفسير العلمي الذي قدمه مختصون وإعلاميون إلى كون فلسطين تقع ضمن واحد من أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، حيث يمر عبرها سنويا مئات الملايين من الطيور، وأن تجمع الغربان في هذا التوقيت لا يخرج في أصله عن السلوك الموسمي المعروف.

لكن في مثل هذه السياقات، يحمل الحدث الطبيعي بسرعة معاني رمزية تتجاوز صورته المباشرة، فيتحول من مشهد بيئي إلى علامة في المخيال الجمعي، ومن حركة طيور إلى مادة للتشاؤم، أو إلى ما يشبه “النذير” في لغة العامة.

وتحمل الغربان في الذاكرة الإنسانية حمولة ثقيلة، لأنها ارتبطت في ثقافات كثيرة بالموت، والخراب، وساحات الحرب، والخرائب المقفرة.

وقد أعاد بعض المعلقين التذكير بما عرفته الحضارة الرومانية من قراءة لحركة الطيور وأصواتها باعتبارها إشارات إلى ما سيأتي، في ما كان يسمى بالعيافة أو التفاؤل والتطير بالطيور، وهي ممارسة قديمة كانت تستحضر في القرارات الكبرى، بما فيها الحرب والسلم.

وبدا طبيعيا أن يربط بعض المتابعين بين أسراب الغربان في سماء تل أبيب وبين فكرة “الإنذار” أو “الشؤم”، لأن الحرب نفسها تدفع الناس إلى البحث عن علامات فوقية تفسر اضطراب الواقع.

وفي بعض القراءات الشعبية، يستدعى الغراب باعتباره قرينا للخراب أو للقفر أو لما يحيط بالموت، بينما يظهر في نصوص أخرى ضمن مشاهد الرعاية الإلهية، كما في قصة النبي إيليا حين كانت الغربان تأتيه بالطعام.

وهذا التعدد في الدلالة مهم، لأنه يبين أن الرمز الديني لا يتحول تلقائيا إلى نبوءة، وأن الاستناد إلى حضور الغراب في النصوص لا يكفي وحده للقول إن ظهوره فوق مدينة معينة يعني اقتراب خرابها، انسجاما مع الذهن الشعبي في أزمنة الحرب الذي يميل غالبا إلى المعنى الأكثر قتامة، لأنه الأقرب إلى مزاج الخوف السائد.

أما في المنظور الإسلامي، فالمسألة تبدو أوضح من الناحية العقدية، لأن التراث الإسلامي لا يقر الاستدلال بالغيب من حركة الطيور أو أصواتها، بل ينهى عن التطير والتشاؤم القائم على مثل هذه العلامات.

وقد شرح الفقهاء أن أصل التطير كان مرتبطا باتخاذ حركة الطير دليلا على الإقدام أو الإحجام، ثم صار اسما لكل تشاؤم من هذا النوع.

وأي قراءة إسلامية منضبطة لهذا المشهد ستتعامل معه كظاهرة طبيعية تجري بقدر الله في الكون، من دون تحويلها إلى حكم غيبي قاطع أو إلى رسالة سماوية مؤكدة.

ومن الناحية النفسية والثقافية، ربما يكون العنصر الأهم في كل هذه التأويلات هو التوقيت، فلو حدث المشهد نفسه في ظرف عادي، لربما مر باعتباره ظاهرة موسمية مثيرة للدهشة لا أكثر، أما حين يقع في سماء مدينة تعيش على وقع الإنذارات والصواريخ والارتباك الوجودي، فإنه يكتسب معنى آخر في أعين الناس.

إن ما جرى في سماء تل أبيب يمكن فهمه على مستويين متداخلين: على المستوى العلمي، نحن أمام ظاهرة طبيعية مرتبطة بمواسم الهجرة وسلوك الطيور في المنطقة، وعلى المستوى الرمزي، نحن أمام مشهد التقطته الحرب وأعادت شحنه بمعانٍ دينية وغيبية وثقافية قديمة، من الشؤم الروماني إلى المخيال الشعبي المعاصر الذي يرى في كل ظاهرة غير مألوفة علامة على حدث أكبر.

ومن جهة أخرى، تشير بعض الدراسات والملاحظات الميدانية إلى أن حركات بعض الطيور والحيوانات قد تتغير قبل وقوع بعض الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل أو موجات التسونامي أو العواصف العنيفة، وهو ما دفع عددا من الباحثين إلى الاعتقاد بأنها قد تستشعر، بدرجات متفاوتة، تغيرات دقيقة في البيئة لا يلتقطها الإنسان بسهولة، كاهتزازات الأرض الضعيفة، أو التبدلات في الضغط الجوي، أو الإشارات الكهرومغناطيسية، أو التغيرات الكيميائية في الماء والهواء.

وقد سجلت في هذا السياق حالات لهجرة مفاجئة، أو اضطراب في السلوك، أو عزوف عن أماكن معتادة لدى بعض الأنواع قبل وقوع كوارث طبيعية.

وبين التفسير العلمي الذي يرد الظاهرة إلى أسبابها البيئية، والتأويل الشعبي الذي يحملها ما يفوقها من المعاني، يظل الأهم أن مثل هذه المشاهد تكشف، في أزمنة القلق الكبرى، مقدار ما يصنعه الخوف في إدراك الناس للعالم، ومقدار ما تبحث النفس البشرية، تحت ضغط الحرب، عن إشارات تسبق الكارثة أو تفسرها أو تمنحها وجها رمزيا قابلا للفهم..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...