عقدة الجغرافيا السياسية وتحولات السلوك الإيراني: بين استراتيجية البقاء وإعادة التموضع

18 أبريل 2026

علي البلوي

تتشابك الأبعاد العقائدية والجيوسياسية في تشكيل ملاح السياسة الخارجية الإيرانية بطريقة تجعل من الصعب الفصل بين الطموح الأيديولوجي والمصلحة الوطنية البراغماتية.

حيث تبرز صورة “إيران، الإسلاموية، ومعاداة الإمبريالية” كإطار فكري يجد جذوره في سردية مظلومية كربلاء التي تُستدعى كنموذج ثوري لمواجهة الهيمنة العالمية، وهو ما يوضحه محمود هدهود في قراءته للرموز الدينية التي تحولت إلى أدوات سياسية لتبرير الصراع ضد القوى الكبرى.

وبالنظر إلى ما يطرحه معهد الشرق الأوسط (MEI) في تحليل كيهان برزكر، فإن هذه السياسة تطورت من رغبة ثورية في تصوير الأيديولوجيا كهدف أسمى، إلى تبني واقعية سياسية تركز على الجيوسياسة كعامل مهيمن لإدارة بيئة أمنية محفوفة بالمخاطر، حيث أصبحت الأيديولوجيا اليوم مجرد وسيلة في خدمة الأمن القومي الإيراني وليست غاية في ذاتها.

ويظهر مفهوم عقدة الجغرافيا السياسية كعنصر حاسم في توجيه هذا السلوك، إذ تجد إيران نفسها محاصرة في جغرافيا معقدة وسط منطقة مضطربة تعاني من صراعات طائفية في العراق شرقاً، ودول هشة غرباً في أفغانستان وباكستان، مما ولد شعوراً بالتهديد الدائم دفع طهران لتبني استراتيجية “الدفاع الأمامي” التي تعتمد على نقل المعركة إلى خارج حدودها لمنع المواجهة المباشرة على أراضيها، وهو ما يفسر بناء شبكة نفوذ واسعة عبر “محور المقاومة” في لبنان وسوريا واليمن والعراق لتحويل هذه الجغرافيا من قيد إلى عمق استراتيجي.

ومع ذلك، فإن الضغوط العسكرية الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران قد أدت إلى إضعاف الدولة بشكل ملموس وتقليص خياراتها الاستراتيجية، مما جعل طهران أقرب من أي وقت مضى إلى القبول بصفقة تهدف في مقامها الأول إلى الحفاظ على كيان النظام من الانهيار.

وفي ظل هذه الهشاشة الاقتصادية والعسكرية، تجد القيادة الإيرانية نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يفرض خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول هو تبني مفهوم “الدولة” والتعامل بواقعية مع المجتمع الدولي، وهو ما يتطلب تفكيك أدوات التوتر والاندماج في المنظومة العالمية كلاعب مسؤول. أما الخيار الثاني فهو “لملمة الجراح” عبر إعادة تموضع تكتيكي مؤقت لامتصاص الضغوط الراهنة، مع الاحتفاظ بالبنية الأيديولوجية والعودة ثانية إلى ذات السياسات التوسعية بمجرد استعادة القوة.

إن نجاح أي من هذين الخيارين يعتمد بشكل كبير على قدرة النظام على تجاوز “عقدة الجغرافيا” وتأثيراتها النفسية التي تدفعه دائماً نحو الصدام لحماية حدوده، خاصة وأن تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) لعام 2026 تشير إلى أن الاستمرار في خيار التصعيد، عبر تحريك وكلاء مثل الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، قد يطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من استقرار اقتصادي إقليمي، مما يضع إيران أمام ضرورة الحسم بين البقاء كدولة طبيعية أو الاستمرار كشروع ثوري يستنزف مقدراتها حتى النهاية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...