صدور العدد الثالث من مجلة تفكيك للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية وقضايا الهجرة
الدكتور حسن العاصي ـ باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا، رئيس تحرير مجلة تفكيك
تفكيك الاستعمار المعرفي: إشكاليات السلطة، الهوية، وإنتاج المعرفة بين المركز والهامش
حين تتصاعد رهانات المعرفة وتتكشف هشاشة البُنى التي رسّخت هيمنة المركز وأقصت الهامش، يصبح التفكيك ضرورة لا ترفاً، ومساءلة السلطة المعرفية واجباً لا خياراً.
في هذا السياق، يجيء العدد الثالث من مجلة تفكيك للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية وقضايا الهجرة ليعلن عن نفسه بوصفه منصة نقدية جريئة، تضع في صلب اهتمامها تفكيك الاستعمار المعرفي، وتعيد طرح أسئلة الهوية والسلطة وإنتاج المعرفة في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه الحاجة إلى إعادة بناء الذات في مواجهة الآخر.
في حين تتكثّف أسئلة السلطة والمعرفة والهوية، وتتعاظم الحاجة إلى مساءلة البُنى التي كرّست المركز وأقصت الهامش، يطلّ العدد الثالث من مجلة تفكيك للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية وقضايا الهجرة (أبريل 2026) ليضع بين يدي القارئ مشروعاً فكرياً جريئاً تحت عنوان: “تفكيك الاستعمار المعرفي: إشكاليات السلطة، الهوية، وإنتاج المعرفة بين المركز والهامش”.
هذا العدد لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يسعى إلى زعزعة المسلّمات، وإعادة النظر في أنماط التمثيل التي صاغت علاقتنا بالذات والآخر، عبر ثلاث دراسات نوعية تتقاطع في تفكيك إرث الاستعمار المعرفي وتداعياته على الحقول الثقافية والأنثروبولوجية والدينية.
من هوية المعرفة المستعمَرة وإعادة إنتاج الذات في الأنثروبولوجيا ما بعد الاستعمارية، مروراً بجدلية الهوية والمكان والدين في النموذج الدنماركي، وصولاً إلى قراءة تفكيكية في فكر دريدا والخطيبي؛ يقدّم هذا العدد مساراً نقدياً متشابكاً يفتح أفقاً جديداً للتفكير في علاقة السلطة بالمعرفة، وفي إمكانات التحرر من مركزية الخطاب المهيمن.
إن صدور هذا العدد لا يمثل مجرد حدث أكاديمي دوري، بل يشكّل لحظة معرفية فارقة في مسار التفكير النقدي العربي، إذ يسعى إلى مساءلة البُنى التي رسّخت الاستعمار المعرفي في الحقول الإنسانية، وإلى إعادة الاعتبار للهامش بوصفه فضاءً منتجاً للمعنى لا مجرد تابع للمركز.
إننا أمام مشروع يطمح إلى إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وإلى فتح أفق جديد للتفكير في الهوية والمكان والدين، عبر مقاربات تتجاوز التكرار وتؤسس لوعي نقدي قادر على زعزعة المسلّمات وإعادة بناء الذات في مواجهة الآخر.
مسارات نقدية في العدد الثالث: تفكيك الهوية والمعرفة بين المركز والهامش
يأتي العدد الثالث من مجلة تفكيك للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية وقضايا الهجرة ليؤكد رسالتها في مساءلة البُنى المعرفية المهيمنة وتفكيك إرث الاستعمار الفكري، عبر ثلاث دراسات تتكامل في رسم صورة نقدية متعددة الأبعاد. ففي دراسة د. حسن العاصي رئيس تحرير مجلة تفكيك حول هوية المعرفة المستعمَرة، يتجلى نقد عميق لأنماط التمثيل في الأنثروبولوجيا ما بعد الاستعمارية، حيث يعيد الباحث طرح سؤال الذات في مواجهة الآخر، ويكشف كيف تُستعاد الهوية عبر تفكيك الصور النمطية وإعادة إنتاج المعرفة من موقع الهامش.
أما د. محمود عيسى فيتناول جدلية الهوية والمكان والدين من خلال النموذج الدنماركي، مسلطاً الضوء على التوترات التي تنشأ بين الانتماء الثقافي والديني في فضاء أوروبي معاصر، ليقدم قراءة تفتح أفقاً لفهم ديناميات الاندماج والاختلاف في مجتمعات الهجرة.
وفي الدراسة الثالثة، يقدّم د. مراد الخاطبي قراءة تفكيكية في فكر جاك دريدا وعبد الكبير الخطيبي، باعتبارهما مفكرين أسهما في زعزعة مركزية الخطاب الغربي وإعادة الاعتبار لأسئلة الهوية واللغة والاختلاف، مما يربط المشروع التفكيكي بالرهانات المعرفية الراهنة في العالم العربي.
إن القيمة المضافة لهذا العدد تكمن في جمعه بين مقاربات متباينة تتقاطع جميعها في هدف واحد: إعادة مساءلة السلطة المعرفية وإبراز إمكانات التحرر من الاستعمار الفكري. فهو لا يكتفي بعرض دراسات متخصصة، بل يطرح مشروعاً نقدياً متكاملاً يعيد التفكير في علاقة المركز بالهامش، ويمنح القارئ أدوات نظرية لفهم التحولات الثقافية والدينية والأنثروبولوجية في زمن تتسارع فيه أسئلة الهوية والهجرة.
نحو مشروع جماعي لتفكيك الاستعمار المعرفي
إن اجتماع هذه الدراسات الثلاث في العدد الثالث من مجلة تفكيك لا يُقرأ بوصفه مجرد تنوع في الموضوعات، بل باعتباره مشروعاً معرفياً متكاملًا يسعى إلى تفكيك الاستعمار المعرفي من زوايا متعددة.
فدراسة هوية المعرفة المستعمَرة تكشف عن آليات التمثيل وإعادة إنتاج الذات في الأنثروبولوجيا، بينما يفتح تحليل الهوية والمكان والدين في النموذج الدنماركي أفقاً لفهم التوترات المعاصرة في مجتمعات الهجرة، ويأتي البحث في فكر دريدا والخطيبي ليؤكد أن التفكيك ليس مجرد أداة فلسفية، بل ممارسة نقدية قادرة على زعزعة مركزية الخطاب وإعادة الاعتبار للهامش.
بهذا التلاقي، يقدّم العدد مساهمة جماعية في مشروع نقدي عربي يسعى إلى مساءلة السلطة وإعادة بناء العلاقة بين المعرفة والهوية، بين المركز والهامش، وبين الذات والآخر. إنه عدد يضع القارئ أمام مسؤولية التفكير في إمكانات التحرر من الاستعمار الفكري، ويؤسس لوعي نقدي جديد يربط بين النظرية والممارسة، وبين التفكيك وإعادة إنتاج المعنى في زمن تتسارع فيه أسئلة الهجرة والهوية والسلطة.
ما بعد هذا العدد
إن صدور هذا العدد الثالث من مجلة تفكيك ليس محطة عابرة، بل خطوة في مسار طويل تسعى فيه المجلة إلى زعزعة المسلّمات الراسخة وتفكيك البُنى المعرفية المهيمنة، بما يفتح أفقاً جديداً لإنتاج معرفة نقدية من موقع الهامش. وستظل المجلة، في أعدادها القادمة، وفيةً لهذا المشروع الفكري، حريصةً على مساءلة السلطة وإعادة التفكير في الهوية والمعرفة والاختلاف.
ومن هنا، فإنها توجه دعوة مفتوحة إلى جميع الباحثين والأكاديميين للمساهمة في هذا المسار النقدي الجماعي، عبر أبحاث ودراسات تُثري النقاش وتدفع باتجاه تأسيس وعي معرفي جديد قادر على مواجهة تحديات الحاضر وصياغة مستقبل أكثر عدلاً وتوازناً.
التعليقات