سيكولوجية “جوقة الخارج” والتخادم العابر للأوطان
علي البلوي
تُعد ظاهرة “المناضلين عن بُعد” واحدة من أعقد الإشكالات الأخلاقية والسياسية التي تواجه الوعي الجمعي العربي المعاصر؛ فنحن أمام فئة اختارت “الملاذات الآمنة” في عواصم الغرب، وتحصنت بجنسيات دول ديمقراطية تضمن لها حرية القول ورفاهية العيش، لكنها اتخذت من هذه المنصات خناجر موجهة لخاصرة أوطانها.
إن هؤلاء لا يمارسون رأياً سياسياً مجرداً، بل ينخرطون في حالة من التخادم العضوي مع قوى إقليمية ودولية وعلى رأسها الاستخبارات البريطانية والإيرانية والموساد الإسرائيلي لتحويل الدول العربية إلى ساحات مفتوحة للفوضى والتبعية، تحت غطاء زائف من الشعارات الثورية أو الدينية.
ويكمن الجذر النفسي لهذه الفئة في حالة حادة من الانفصام الأخلاقي والمفارقة السيكولوجية التي تجعلهم يناضلون من وراء “الدروع الغربية”؛ فبينما يتمسك هؤلاء بالقوانين البريطانية أو الأمريكية لحماية ممتلكاتهم وخصوصياتهم، يطالبون المواطن العربي البسيط بهدم مؤسسات دولته الوطنية والارتهان لمشاريع توسعية عابرة للحدود.
سيكولوجياً، تعمل هذه الفئة هنا كدرع يحرر المحرّض من وطأة المسؤولية؛ فمن لا يخشى سقوط سقف منزله بفعل القذائف، يسهل عليه جداً التنظير لـ “الحروب المقدسة” وزعزعة الاستقرار وتدمير الأوطان، بتوجيه مباشر أو غير مباشر من أجهزة استخباراتية عالمية ترى في الفوضى العربية مصلحة استراتيجية.
وتتجلى سيكولوجية “التحريض الآمن” وآليات التعويض في عدة أبعاد، أولها عقدة الذنب والهروب نحو التطرف؛ حيث يعاني المهاجر السياسي أحياناً من صراع داخلي بسبب تنعمه بخيرات “الغرب الإمبريالي” الذي يشيطنه في خطابه، ولحل هذا التنافر المعرفي، يلجأ إلى تطرف الخطاب التحريضي كنوع من التكفير عن الذنب أو لإثبات ولائه للأيديولوجيا، موهماً نفسه بأنه لا يزال في قلب المعركة.
يضاف إلى ذلك حالة من النرجسية النخبوية التي تجعل هؤلاء ينظرون إلى أنفسهم كأوصياء على وعي الشعوب، وهي نظرة فوقية تبرر لهم سيكولوجياً التضحية بـ “الآخرين” في سبيل “الفكرة”، فيمارسون أبوية ثورية ترى في دماء الشعوب في الداخل وقوداً ضرورياً لتحقيق أجندات أجهزة المخابرات التي تستثمر في “صناعة الغضب” وتديره من وراء البحار.
كما يظهر التخادم العملي بشكل جلي عند رصد “الرسائل المشتركة” وتطابق السرديات بين هذه الجوقة وبين التصريحات الرسمية المسربة أو المعلنة لتلك الأجهزة الاستخباراتية؛ حيث يتم توحيد المصطلحات وتوقيت الهجمات الإعلامية ضد الدول العربية المستقرة في تناغم مريب.
إن هؤلاء لا يتحركون بصفتهم “أصواتاً حرة”، بل كمنفذين لسياسات “القوة الناعمة” التي تهدف إلى شيطنة الأنظمة الوطنية وإضعاف المناعة المجتمعية، مما يمهد الطريق لمشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية؛ فما يطرحه هؤلاء “المحرضون” كتحليل سياسي ليس سوى إعادة صياغة شعبوية لتقارير أمنية تهدف لتفتيت المنطقة وإعادة هندستها جغرافياً وسياسياً.
ومع المسافة الزمنية والمكانية، يحدث نوع من الانفصال عن الواقع والاغتراب الوجداني، حيث تتحول الأوطان في مخيلة هذه الجوقة إلى “خرائط افتراضية”، وتختفي المعاناة الإنسانية الحقيقية وراء التحليلات السياسية الباردة، مما يمنحهم جرأة غير مسبوقة على دفع الناس نحو الموت، لأنهم ببساطة لم يعودوا يشعرون بنبض الشارع الحقيقي وآلامه اليومية.
إن هذه الجرأة نتاج “حصانة مزدوجة”؛ قانونية يوفرها الغرب، ومالية وأيديولوجية توفرها القوى الطامعة، وهو ما يخلق علاقة طفيلية تسعى لفتح الأبواب للمشاريع الخارجية، سواء كانت إيرانية توسعية أو إسرائيلية استراتيجية.
إن وقاحة هذا الخطاب لا تأتي من قوة الحجة، بل من انعدام الكلفة؛ فالمحرّض الذي لا يريد حتى أن يصاب بـ “الزكام” بينما يطالب غيره بالموت، هو شخص سقط سيكولوجياً في فخ الأنانية الأيديولوجية والعمالة المقنعة.
والوعي الشعبي اليوم هو السد المنيع لتفكيك هذه الازدواجية، وإدراك أن من يبيع الأوهام من قصور الغرب بتنسيق مع أجهزة المخابرات، لا يمكن أن يكون حريصاً على بناء الأوطان في الشرق.
التعليقات