ساعة الحسم الشاملة: البوارج الأمريكية وسيناريو تصفية الحسابات الإقليمية
علي البلوي
إن الحشود العسكرية الضخمة التي تملأ مياه الخليج وتغطي سماء المنطقة لم تأتِ لمجرد الاستعراض العابر أو المناورات الروتينية، بل هي ترجمة مادية لإرادة سياسية تهدف إلى فرض واقع جديد، سواء عبر القوة الصلبة أو الدبلوماسية القسرية.
في هذا المشهد المتفجر، يصبح عامل الوقت سيفاً ذا حدين؛ فكل يوم يمر دون نتيجة ملموسة يضع ضغوطاً تراكمية هائلة على إدارة ترامب التي لا تستطيع البقاء في وضعية الاستنفار المكلف دون أفق، وعلى الجانب الإيراني الذي يجد نفسه في ضائقة اقتصادية واستراتيجية خانقة.
لقد وضعت طهران قدميها في “فلقة” الوقت الضيق، حيث تلاشت مساحات المناورة التقليدية، وأصبح خيار التنازل بالنسبة للنظام ليس مجرد تراجع سياسي، بل تهديداً لبنيته الداخلية وتماسك نفوذه الإقليمي.
ورغم الرفض الشعبي والإقليمي لأي عدوان عسكري، إلا أن المؤشرات توحي بأن إيران قد حسمت خيارها بالاتجاه نحو المواجهة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن إيلام الولايات المتحدة في معركة مباشرة قد يكون أقل مرارة من تقديم تنازلات تؤدي إلى تفكيك النظام تدريجياً.
واللافت في هذه الاستعدادات أن الضربة الأمريكية المرتقبة لن تكون مجرد وخزة جراحية، بل تبدو ملامحها كعملية شاملة لا تستهدف العمق الإيراني فحسب، بل تمتد لتضرب أذرع طهران في المنطقة بآن واحد، وبخاصة في الساحة العراقية التي تعود للواجهة كقلب لهذا الصراع الجيوسياسي.
يعيد هذا المشهد للأذهان ما كان يروج له فؤاد عجمي (التبريزي) حين وصف العراق بأنه “الجائزة”، محرضاً الإدارات المحافظة في التسعينيات على ضربه ثم غزوه في 2003، وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم بجعل العراق ساحة لتصفية الحسابات الكبرى تحت وطأة آلة الحرب.
وما يجعل هذا التهديد أكثر جدية هو عودة “إستراتيجية الاصطياد” إلى واجهة التكتيكات الأمريكية؛ فالمصير الذي واجهه قاسم سليماني يبدو أنه ينتظر قائمة طويلة ودقيقة من الأهداف هذه المرة، حيث تشير المعطيات إلى بنك أهداف يضم رؤوساً قيادية ومواقع استراتيجية للفصائل، مما يجعل من المواجهة القادمة محاولة لقطع رؤوس الهيكل التنظيمي للنفوذ الإيراني في المنطقة برمتها.
دولياً، يراقب العالم هذا التصعيد بقلق بالغ، فبينما تحاول القوى الإقليمية مثل عُمان وقطر وتركيا نزع فتيل الانفجار عبر وساطات اللحظة الأخيرة، تلتزم القوى الكبرى في أوروبا الحذر خشية الانزلاق إلى حرب إقليمية مدمرة قد تعصف باستقرار الطاقة العالمي، في حين يرى البعض في واشنطن أن الحل العسكري بات “الخيار الأخير المتبقي” لكسر شوكة المشروع الإيراني.
نحن الآن نعيش في “ساعة الصفر” الممتدة، حيث تفصلنا أيام قليلة، أو ربما أسبوعان كما أشار ترامب، عن وقوع “الواقعة” أو نجاح الدبلوماسية في معجزة اللحظة الأخيرة، في ظل ترقب لمصير القطبين اللذين يرفض كلاهما التراجع أولاً.
من جهتنا نرفض اي عدوان امريكي على اي دولة ذات سيادة من عالمنا العربي والاسلامي ولكننا ندين السلوك الإيراني الذي منح امريكا وغيرها مبررات التدخل ودفع الدول لعمل المستحيل لاعاقة النفوذ والهيمنة الايرانية.
التعليقات