زلزال الداخل الإيراني: حين تصطدم أيديولوجيا “الصمود” بجدار الحرمان والعزلة الدولية

4 مارس 2026

علي البلوي

من لا يعرف إيران من الداخل لا يستطيع أن يعطي حكماً وتحليلاً صادقاً للمشهد المعقد الذي تعيشه البلاد؛ فالبقاء خلف عدسات التحليل السياسي البعيد لا يكشف حقيقة الغليان الذي يعيشه الشارع.

إن إصرار الجانب الإيراني على الصمود سيدفع أمريكا وإسرائيل لمواصلة الضربات العنيفة التي ستضعف النظام السياسي، وقد يعقبها تدخل “كوماندوز” وقوات من المعارضة الإيرانية لتتعزز الأزمة وتتعقد سبل الحلول الدبلوماسية.

ومن يقول عن الصمود الإيراني كخيار شعبي مستقر، فإنه بالتأكيد لم يزر طهران ولم يعش الفقر والحاجة اللذين ينهشان غالبية الشعب الإيراني، كما أن 60% من الإيرانيين لا يزالون “ملكيين” في حياتهم الداخلية، وهذا لا يعني بالضرورة عودة شقيق الملك، ولكن إذا كان هو الخيار المتاح للخروج من النفق المظلم فهو خيار مرحب به.

المؤشرات تفيد بأن الأمريكيين يجرون محادثات مع مقربين من النظام للقيام بانقلاب داخلي، وهو ما يتزامن مع “انفصام وجداني” تعيشه الدولة بين خطاب رسمي يقدس الصمود الاستراتيجي وواقع شعبي يغرق في سيكولوجية الاحتياج.

هذا الشرخ النفسي يجعل المجتمع الإيراني متهيئاً لتقبل تحولات راديكالية، حيث لم يعد “العدو الخارجي” هو المحرك الوحيد للمشاعر الوطنية، بل أصبح “تأمين المعيشة” هو المطلب الوجودي الأول.

وتتسم الشخصية الإيرانية المعاصرة بحالة من “الازدواجية السيكولوجية” الحادة، فهي نتاج تدافع مستمر بين هوية ثورية فُرضت من الأعلى عبر العقود، وبين نزعة استهلاكية عالمية تتسلل عبر الفضاء الرقمي والحنين للماضي.

هذا الصراع خلق جيلاً شاباً يعاني من “الاغتراب الوطني”؛ حيث يرى في الخطاب الأيديولوجي الرسمي لغةً خشبية لا تطعم خبزاً، بينما يمثل “النموذج الغربي” لديه الفردوس المفقود للرفاهية والتحقق الشخصي.

إن الانتقال من مرحلة “التضحية من أجل المبدأ” إلى مرحلة “البحث عن جودة الحياة” هو الزلزال النفسي الحقيقي الذي يضرب بنية النظام، إذ لم يعد المواطن مستعداً لرهن حاضره في سبيل انتصارات إقليمية لا تنعكس على مائدته، وهو ما أكده رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لشبكة “فوكس بيزنس” حين أشار إلى أن الإيرانيين خسروا الكثير من الأصدقاء والتعاطف جراء ما يفعلونه في المنطقة، معتبراً أن سياستهم الحالية لن تؤدي إلى نتائج، وأن المستفيد الوحيد مما يقومون به هو نتنياهو.

تتجلى في المشهد الإيراني الراهن حالة من الرعب الوجودي التي تتجاوز التهديدات الخارجية لتستقر في عمق الزوايا المعتمة لبيوت طهران المنهكة. فمع انطلاق العمليات العسكرية، لم تعد الأزمة مجرد “ضربات جراحية”؛ بل تحولت إلى حالة من القمع الوحشي والعنف الداخلي المفرط الذي تمارسه السلطة لاحتواء أي تمرد ناتج عن فقدان المواد الغذائية الأساسية وانهيار سلاسل الإمداد.

هذه اللحظة الحرجة تعيد رسم خريطة الصراع؛ فالمواطن الذي يواجه رفوفاً فارغة وملاحقات أمنية يجد نفسه مدفوعاً نحو خيارات لم تكن تخطر بباله، حيث يصبح الصمود شعاراً للاستهلاك الإعلامي بينما يغلي المرجل الاجتماعي تحت وطأة الحرمان.

هذا الإحباط التراكمي حوّل الصمود من قيمة أخلاقية إلى عبء معيشي، مما جعل الشخصية الإيرانية أكثر براغماتية وميلاً لقبول تغييرات جذرية، حتى لو جاءت عبر “انقلاب نخبوي” يخطط له الأمريكيون من خلال محادثات ومؤشرات تفيد بأنهم يجرون محادثات مع مقربين من النظام للقيام بانقلاب داخلي، أو عبر تدخلات خارجية وقوات “كوماندوز” وقوات من المعارضة الإيرانية لتتعزز الأزمة وتتعقد سبل الحلول الدبلوماسية.

وفي ظل هذه الهشاشة الاجتماعية، تبرز ملامح استراتيجية غربية تعتمد على “الجراحة الموضعية” ودعم حركات المعارضة، بالتوازي مع قنوات تواصل سرية تهدف لزعزعة بنية النظام من الداخل. إن الحديث عن انقلاب داخلي تقوده أطراف براغماتية لم يعد مجرد تكهن، بل هو مخرج منطقي لمؤسسات عسكرية وتكنوقراطية ترى في استمرار الوضع الحالي انتحاراً جماعياً، مما يجعل سيناريو “الانفجار من الداخل” أقرب من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق، يبرز التوجه الجديد الذي يتبناه مشروع ترامب ونتنياهو القادم لإيران، والذي يتجاوز فكرة الضغط الاقتصادي نحو استراتيجية “التفكيك من الداخل” عبر دعم عسكري ولوجستي مباشر لتسليح المعارضة الإيرانية. هذا المشروع لا يسعى فقط لتغيير النظام، بل لإيجاد بديل مسلح على الأرض يستمد مشروعيته من حالة اليأس الشعبي، ويحول المعارضة من أصوات في الخارج إلى قوة “كوماندوز” ومجموعات منظمة قادرة على ملء فراغ السلطة الذي ستخلفه الضربات الجوية العنيفة التي ستضعف النظام السياسي، مما يجعل الحلول الدبلوماسية مجرد ذكرى من الماضي أمام واقع عسكري يفرض نفسه بقوة السلاح والجوع.

إن الفجوة العميقة بين طموحات النظام الإقليمية والواقع المعيشي المتردي للشعب، معطوفة على الحنين الشعبي لزمن الاستقرار الاقتصادي والعزلة الدبلوماسية التي أشار إليها الشيخ حمد بن جاسم، تجعل من الداخل الإيراني بيئة خصبة لعمليات تغيير نوعية.

إن الجمع بين تجويع الداخل، وقمع الاحتجاجات بالرصاص، وفقدان المواد الغذائية، وتسليح المعارضة، يضع النظام أمام أخطر تحدٍ منذ عام 1979؛ حيث لم يعد الرهان على قدرة النظام على التحمل، بل على سرعة الانهيار الداخلي تحت وطأة مشروع إقليمي ودولي جديد يرى في الأطراف البراغماتية المستعدة للانقلاب أو قوى المعارضة الميدانية الأداة المثالية لإنهاء حقبة “الصمود الأيديولوجي” واستبدالها بواقعية سياسية جديدة يفرضها الجوع والبحث عن البقاء.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...