ديكولونيالية كرة القدم الأفريقية
عز الدين بونيت
ما جرى قبيل انتهاء المباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية من أحداث مؤسفة كان بطلها الظاهر للعيان هو مدرب الفريق السينغالي، هو أعقد من أن نحصرامتداداته في الكأس والفوز والكراكي والخطة والتكتيك التدريبي. كل هذه الأشياء مهمة داخل نطاق اللعبة في حد ذاتها. لكنه سرعان ما يصبح ثانويا عندما نوسع نطاق الصورة لتشمل ما جرى منذ أن أسندت الكاف للمغرب مهمة تنظيم واستقبال الدورة المنتهية من الكان.
من الضروري القيام بهذا التوسيع للتمكن من التقاط تفاصيل وخيوط متشابكة تتخفى، في العادة، تحت غطاء غليان الأحداث اليومية التي يرصدها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي خلال التظاهرة.
سبق لي أن سمعت تصريحا (أو ربما خطابا) لفوزي القجع في أعقاب انتخابه في الأجهزة التنفيذية للفيفا والكاف يوضح فيه تصوره لمشروع تطوير كرة القدم الأفريقية، من خلال تطوير مواردها المالية. ومن ضمن ما ركز عليه كان إيجاد صيغ عادلة لاستفادة الكرة الأفريقية من عائدات انتقال اللاعبين الأفارقة في السوق الكروية الدولية ولا سيما الأوروبية. يتعلق الأمر في الحقيقة بمحاولة استعادة افريقيا لجزء كبير من المقدرات المالية الناتجة عن أحد أهم مواردها المهدرة، وهي مواهبها الكروية. ويتعلق بصيغة أخرى بخطوة من خطوات تحرر أفريقيا.
من أجل تنفيذ هذا التصور تبدو احتياجات الكرة الأفريقية متشابكة:
+ التظاهرات الأفريقية تجرى في ظروف متهالكة وبنيات تحتية هشة لا تساعد على تسويق جيد للمواهب.
+ التظاهرات تحيط بها أنماط سلوكية تكرس صورة لإفريقا فقيرة ومعطوبة وتحتاج إلى الوصاية (السحر، الشعوذة، الشجار، الاتهامات المتبادلة، عقلية المؤامرة والحلقية…)
+ الفساد الموصوف الذي ينخر المؤسسات المشرفة على الكرة، في العديد من البلدان الأفريقية، والذي طور لنفسه وسائل حماية ورعاية متبادلة مع نظيره وشريكه في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، وطوق نفسه بذروع متنوعة من اللوبيات في المجتمع المدني والإعلام والأوساط السياسية… وهناك مصلحة واضحة للشمال في حماية بنية الفساد في الجنوب، في الرياضة كما في السياسة.
بعد رسم هذه الخلفية، نعود إلى الكان المغربي. لم يقدم المغرب نسخة لامعة وضاءة من الكان من أجل أن يتباهى بها في وجه “أقرانه” الأفارقة. قدم المغرب نسخته كي تكون أرضية لتثوير وإعادة ترتيب العلاقة الكروية بين الشمال والجنوب. وهذا مدخل إلى تحرير الكرة الأفريقية كثروة لأفريقيا، مثلها مثل المعادن النفيسة ومصادر الطاقة وغيرها من الثروات الباطنية التي لا يستفيد منها إلا الشمال. قدم المغرب نسخة من الكان تندرج في إطار مشروعه التحرري لأفريقيا في الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
في ضوء ما تقدم، يظهر لنا أن الاحتقان الذي بدأ تخميره على مدى سنتين قبل بداية الكان، في وسائل إعلام النظام الجزائري المأجور للقوى الاستعمارية القديمة ولبؤر الفساد الأفريقية، لم يكن سوى جزء من مخطط منسق لوقف الزحف الأفريقي نحو تحرر أفريقيا كرويا. ومع نهاية الأسبوع الثاني من التظاهرة بدأت تظهر معالم هذا التنسيق عندما ارتفعت أصوات أوروبية ألفت السباحة في مستنقعات الفساد الكروي الأفريقي، بدءا من مدرب جنوب أفريقيا، ثم بقية المدربين غير الأفارقة. وتلا ذلك ما صدر عن مدربي مصر، وتانزانيا، وما ظل يتأجج من طرف الإعلام الجزائري، وبعد ذلك الخطوات المدروسة التي انخرط فيها الاتحاد السينغالي بشكل واضح يومين قبل مباراة النهاية، وأخيرا الأحداث التي وقع تفجيرها عمدا قبيل نهاية مباراة المغرب والسينغال.
كل هذا التجييش الممنهج لم يكن الغرض منه السطو على كأس غير مستحقة، ولا الوقوف في وجه هذا السطو، بل تكريس صورة أفريقيا التي لا تستحق تحررها والضغط من أجل إبقاء التظاهرات القارية الأفريقية في منطقة مظلمة وإعادة إنعاش الزوايا التي يعشش فيها الفساد الكروي. المعركة كانت موجهة لكسر الواجهة المضيئة التي سعى المغرب إلى وضع الكرة الأفريقية فيها، تمهيدا لاسترداد جزء من ثروات أفريقيا المنهوبة.
من جهة أخرى، ليس مستبعدا أن يكون ما جرى نوعا من الابتزاز والضغط المستمر امتدادا لأحداث أكتوبر من أجل الحصول على المزيد من الفرص في مجال إقامة البنيات التحتية الموجهة لتحضير كأس العالم 2030، بعد أن أبان المغرب عن قدرته على الاكتفاء بشركاته وطاقاته البشرية الوطنية في إنجاز بنيات رياضية وغير رياضية ضخمة في وقت قياسي.
يتعلق الأمر إذن بمعركة كسر عظام بين القوى التحررية الأفريقية، وبؤر الكولونيالية والاتجار بالبشر التي ما زالت تعشش في أفريقيا منذ زمن ما قبيل الاستعمار. وردود الفعل التي يتم النفخ فيها الآن والتي مؤداها أن المغرب ليس له موقع في أفريقيا، لا شك أنها تتناغم مع هذا القصد الرامي إلى تقويض المشروع الأفريقي للمغرب.
بعد كل ما تقدم، يتضح أن ما جرى من محاولة اغتصاب لحق المغرب في انتمائه الأفريقي، من خلال الإنكار المستمر لجدارته في التتويج، منذ ما قبل الكان، ومن خلال توريط السينغال بالذات في أحداث النهاية، لم يكن أمرا تلقائيا من الأمور التي تشهدها في العادة كرة القدم بين الفينة والأخرى. بل كان عملا مخططا بعناية وسخرت له الأوساط الإعلامية الموبوءة والأصوات المأجورة في وسائل التواصل الاجتماعي على امتداد شمال أفريقيا؛ كما سخرت لتنفيذه الطقم الفنية لأربعة منتخبات على الأقل (مصر، الجزائر، جنوب أفريقيا، والسينغال التي قدمت قربانا لتنفيذ هذا المخطط في نهاية المطاف.)
وأخيرا، ما جرى قبل الكان وخلاله، وبلغ ذروته في نهاية المباراة النهائية، يجعل الموضوع أكبر بكثير من وليد الرگراگي ولائحة اللاعبين والخطط والتكتيك. هذا موضوع ثانوي تماما. وليس مستبعدا أن يكون الهجوم على هذا المدرب بالذات، بالرغم من كل إنجازاته، استمرارا لما تقدم، وتمهيدا لعودة الروح إلى فكرة تفوق المدرب غير الأفريقي. ولربما كان الركراكي، من وراء ذلك كله، يؤدي ضريبة شعاره: “نعم، نستطيع أن نفعلها”، وضريبة جرأته وتمكنه من اختراق مربع التدريب الذي كان عتى نهاية 2022 حكرا على المدرب الأوروبي والأمريكي اللاتيني.
التعليقات