دونالد ترامب والمواجهة الصعبة متعددة الاتجاهات 

31 يناير 2026

علي البلوي

تُشير القراءة الجيوسياسية المعمقة للمنظر الاستراتيجي جون ميرشايمر إلى حالة من “الاستعصاء البنيوي” تفرض نفسها على صانع القرار في البيت الأبيض؛ فبينما تتدفق التعزيزات العسكرية الأمريكية نحو مسرح العمليات في الخليج، يبرز تساؤل استخباري جوهري حول ماهية الهدف السياسي الواقعي القابل للتحقيق عبر هذه القوة الغاشمة، خاصة وأن المعطيات الميدانية تؤكد أن الإدارة الأمريكية محاصرة بين خطاب صقوري متصاعد وبين واقع ميداني يمنع سيناريو الغزو الشامل أو إسقاط النظام.

ويحلل ميرشايمر سيكولوجية القيادة لدى ترامب باعتبارها تميل نحو “الاستعراض الردعي”، مما يرفع احتمالية اللجوء إلى ضربة تكتيكية محدودة لا تستهدف تدمير القدرات الإيرانية بقدر ما تستهدف خلق نصر إعلامي يتيح لترامب إعلان النجاح أمام قاعدته الانتخابية والهروب من زاوية الضغوط السياسية، وهو ما يسمى “استراتيجية حفظ ماء الوجه”.

إلا أن هذا التوجه يصطدم بحقيقة استخبارية كشف عنها ميرشايمر، وهي أن الامتناع الإسرائيلي عن المشاركة في الهجوم المخطط له في مطلع عام 2026 لم يكن خياراً دبلوماسياً، بل نتيجة فشل تقييم الكفاءة الدفاعية؛ حيث أدركت تل أبيب أن منظوماتها الاعتراضية لن تصمد أمام استراتيجية “الإغراق الصاروخي” الباليستي من جانب طهران، مما وضع الجميع أمام معادلة توازن الرعب الهجومي التي لا يضمن فيها التفوق التكنولوجي الحماية من الرد الانتقامي الشامل.

وفي الوقت الذي تقود فيه سلطنة عمان وألمانيا جهوداً حثيثة لنزع فتيل المواجهة بطلب إيراني، تبرز المعيقات الدبلوماسية كحجر عثرة، خاصة مع محاولات إسرائيل إجهاض هذه المساعي؛ حيث تُشير المعلومات إلى أن تلك الأساطيل والتعزيزات الأمريكية لم تعد مجرد أداة ضغط استراتيجي، بل تحولت إلى عبء ثقيل يضغط على مفاصل القرار السياسي الإيراني، ما فجّر صراعاً داخلياً حاداً في طهران يميل تيار وازن فيه إلى دعم خيار تقديم تنازلات جوهرية لتفويت فرصة الضربة الأمريكية الوشيكة، وبينما تلمح طهران في الغرف المغلقة إلى انفتاح تقني بخصوص “صفر تخصيب” لحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية، تظل الترسانة الصاروخية خطاً أحمر خارج أي نقاش استراتيجي.

وفي خضم هذا الاستنفار، يخلص التقييم الاستخباراتي الأمريكي إلى ضرورة أن تنتزع واشنطن “تنازلات سيادية” توازي في ثقلها حجم الحشد العسكري غير المسبوق، محذراً من أن أي تراجع دون مكاسب ملموسة سينعكس سلباً وبشكل فوري على مكانة الولايات المتحدة أمام الخصوم الاستراتيجيين، وعلى رأسهم الصين وروسيا. فبكين وموسكو تراقبان بدقة مدى قدرة واشنطن على تحويل “القوة الخشنة” إلى “نتائج سياسية”، وأي إخفاق في ذلك سيعطي الضوء الأخضر لهما للتمادي في تحدي النفوذ الأمريكي في ملفات تايوان وشرق أوروبا.

هذا الانكشاف الاستراتيجي يغذي المساندة الصامتة من القوى العظمى لطهران، حيث يؤكد ميرشايمر على دورهم في تقديم دعم تقني نوعي وتزويد إيران بالسلاح، كما ظهر في قدرة طهران على تعطيل أنظمة “ستارلينك”، مما يعكس تعاوناً سيبرانياً متقدماً يهدف لاستنزاف واشنطن في جبهة ثانوية.

تأسيساً على ما سبق، يبرز سيناريو “الصفقة الاضطرارية” كخيار لترامب لموازنة الضغوط الاستخباراتية مع طموحه الشخصي، ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أن عدم مشاركة إسرائيل عسكرياً بشكل مباشر لا يعني تحييد خطرها؛ فالموساد الإسرائيلي، الذي أثبت اختراقه العميق للداخل الإيراني (كما حدث في عملية “الأسد الصاعد” والقدرة على شل مراكز القيادة والتحكم)، يمتلك القدرة على تنفيذ عملية “قص الرأس” واستهداف القيادات العليا وتصفيتها. تلك العملية، التي قُوبلت برفض الإدارة الأمريكية آنذاك خوفاً من فقدان السيطرة على التصعيد، قد تُنفذ بقرار أحادي من تل أبيب لإحداث تحول استراتيجي جذري في الشأن الإيراني، بما يبعثر أوراق المفاوضات العمانية-الألمانية ويفرض واقعاً يتجاوز الحسابات الدبلوماسية لترامب.

إن ترامب يواجه اليوم وضعاً معقداً؛ فبينما يرى ميرشايمر استحالة الغزو، يضغط التقييم الاستخباري لانتزاع ثمن يوازي حجم الأساطيل، في ظل ارتباك إيراني داخلي يحاول الموازنة بين “هيبة النظام” وتفادي مواجهة قد تُنهي وجوده تماماً.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تلعب الجزائر بالنار..

عمر العمري تتكرر الحوادث الدامية على الحدود المغربية ـ الجزائرية بوتيرة تفرض إخراجها من منطق الوقائع المعزولة وإدراجها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع، يكشف عن خلل بنيوي في مقاربة تدبير الحدود، وعن انزلاق متدرج نحو منطق أمني متصلب. ويدل مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة قرب “بشار” على مآلات هذا الخلل، ويعيد إلى الواجهة سلسلة من الوقائع […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...